الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

96

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

العقل ، وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له : ادبر ، فأدبر ، ثم قال : أقبل ، فأقبل ، فقال اللَّه تبارك وتعالى : خلقتك خلقا عظيما وكرمتك على جميع خلقي . قال : ثم خلق الجهل من البحر الأجاج ظلمانيا فقال له : ادبر ، فأدبر ثم قال له : أقبل ، فلم يقبل ، فقال له : استكبرت ، فلعنه ، ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جنديا ، فلما رأى الجهل ما أكرم اللَّه به العقل ، وما أعطاه أضمر له العداوة فقال الجهل : يا رب هذا خلق مثلي خلقته وكرمته وقويته ، وأنا ضدّه ولا قوة لي به ، فأعطني من الجند مثل ما أعطيته ، فقال : نعم ، فإن عصيت بعد ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي ، قال : وقد رضيت ، فأعطاه خمسة وسبعين ( جنديا ) ، فكان مما أعطى العقل من الخمسة والسبعين جنديا الخير وهو وزير العقل ، وجعل ضده الشرّ وهو وزير الجهل . إلى أن قال عليه السّلام : فلا تجتمع هذه الخصال كلها من أجناد العقل إلا في نبيّ أو وصي نبيّ ، أو مؤمن قد امتحن اللَّه قلبه للإيمان ، وأمّا سائر ذلك من موالينا فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود ، حتى يستكمل وينفى من جنود الجهل ، فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء ، وإنما يدرك ذلك بمعرفة العقل وجنوده ، وبمجانبة الجهل وجنوده ، وفقنا اللَّه وإياكم لطاعته ومرضاته . أقول : قوله عليه السّلام : " عن يمين العرش من نوره " يدل على ما ذكرنا من أن العقل يكون عند العرش ، وفي مقام القرب منه تعالى ، وقوله عليه السّلام : " لعنه " يدلّ على أن الجهل في منتهى مرتبة البعد ، فإن اللعن هو الطرد والبعد كما لا يخفى ، وقوله عليه السّلام : إنما يدرك ذلك بأن يتصف به بمعرفة العقل وجنوده ، أي بتحصيل تلك الحقائق التي هي العقل وجنوده ، وبمجانبة الجهل وجنوده أي بالتخلَّي عنها ، كلّ ذلك بالأعمال الصالحة والعبادات الشرعية والسلوك الصحيح كما لا يخفى .