الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

520

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

ثمّ قال : ( أوَليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ) 36 : 81 أي إذا كان خلق السماوات والأرض أعظم وأبعد في أوهامكم ، وقدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي فكيف جوّزتم من اللَّه خلق هذا الأعجب عندكم والأصعب لديكم ، ولم تجوّزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي ؟ قال الصادق عليه السّلام : فهذا الجدال بالتي هي أحسن ، لأنّ فيها قطع عذر الكافرين وإزالة شبههم . وأمّا الجدال بغير التي هي أحسن فإن تجحد حقا لا يمكنك أن تفرق بينه وبين باطل من تجادله ، وإنّما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحق ، فهذا هو المحرّم ، لأنّك مثله جحد هو حقا ، وجحدت أنت حقا آخر . قال أبو محمد الحسن العسكري عليه السّلام : فقام إليه رجل آخر فقال : يا بن رسول اللَّه أيجادل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ؟ قال الصادق عليه السّلام : مهما ظننت برسول اللَّه من شيء فلا تظنن به مخالفة اللَّه تعالى أليس اللَّه قال : ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) 16 : 125 و ( قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة ) 36 : 79 لمن ضرب للَّه مثلا فتظن أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم خالف ما أمره اللَّه به فلم يجادل ما أمره به ، ولم يخبر عن أمر اللَّه بما أمره أن يخبره به ؟ هذا والحمد للَّه أولا وآخرا وظاهرا وباطنا . قوله عليه السّلام : وبذلتم أنفسكم في مرضاته ، وصبرتم على ما أصابكم في جنبه أقول : وبذلتم بالمداومة على العبادات ، وبإظهار الطاعات ، وإبداء الشريعة الحقّة ، وتعليم الفرقة المحقّة ، وإعلاء كلمة اللَّه ، وتشييد دين اللَّه سرّا وجهرا ، وإن أصابكم ما أصابهم من القتل والأسر وسقي جبابرة زمانهم السموم لهم حتى قالوا عليه السّلام : " ما منّا إلا وهو شهيد ، " أي إمّا بالسم أو بالقتل أو بهما ، وفي التعبير بالبذل إشارة إلى أنّهم عليهم السّلام فدوا أنفسهم مع ما كانوا عليه من شدة الطاعات ، وتحمّل المشاق والأذى في سبيل مرضاته بذلا ، أي بدون بدل وبدون إرادة جزاء منه تعالى .