الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
491
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
فهم عليهم السّلام وجدوا منها ما تهيم فيه الأفكار ، وتنحسر دونه الأبصار ، فهم عليهم السّلام علموا ذلك كله وعرفوها ، وبلغوا منها إلى ما بلغوا قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : ربّ زدني فيك تحيّرا ، وذلك لمّا ظهر له من حاله تعالى ما لا يكاد يهتدي إليه سبيلا إلا به ومنه تعالى ، فليس لهذا التحيّر نهاية ، وذلك لعدم نهاية عظمته تعالى . فهم عليهم السّلام يشاهدون تلك الشؤون والعظمة منه تعالى ، فيكبرون هذا الشأن الذي هو حال العظمة والسلطنة دائما ، ويعظَّمونه تعظيما لا يكون من غيرهم كما علمت سابقا ، وإلى عظمة هذا الحال منه تعالى يشير ما عن الكافي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قال رجل عنده : اللَّه أكبر ، فقال : اللَّه أكبر من أي شيء ؟ فقال : من كلّ شيء ، فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : حدّدته ، فقال الرجل : كيف أقول ؟ قال : قل : اللَّه أكبر من أن يوصف ، فيعلم منه أنّه تعالى أكبر من أن يوصف بشيء ، فما يوصف بشيء إلا وهو أكبر منه ، وذلك لعظم شأنه وعزّ جلاله . والحاصل : أنّهم عليهم السّلام أكبروا شأنه أي حاله تعالى ، لمّا أدركوا عظمته جلّ جلاله وأدركوا مقامه ، أعني به ما انكشف لديهم عليهم السّلام من وحدانيّته وصفاته فنقول : قد تقدّم أنّه تعالى عرّف نفسه لهم عليهم السّلام بما أظهر فيهم من صفاته فهم عليهم السّلام مجلى ومظهر لأسمائه تعالى ، التي هي صفة له تعالى ، والتي بها عرف نفسه ، ففي الحقيقة أنّه تعالى عرف نفسه لهم عليهم السّلام بهم عليهم السّلام وقد تقدّم بيانه في شرح قوله عليه السّلام : السلام على محالّ معرفة اللَّه ، وتقدّم قول السجاد عليه السّلام : " ونحن مظاهره فيكم " . والحاصل : أنّ ما تجلَّى اللَّه تعالى لهم بهم هو مقامه تعالى لديهم في كلّ آن ، فهم مجلى لتلك التجليّات ، التي هي المقامات الربوبية الظاهرة لهم في جميع مظاهرها التكوينية والتشريعية من الكتب الإلهيّة ، وحيث إنّهم عليهم السّلام المظاهر الأتمّ لتلك التجلَّيات ، فهم حينئذ عارفون بكلّ ما تجلَّى به ربّهم في عالم الإمكان من صفاته وأفعاله ، فلا محالة لهم المعرفة الأتمّ الأكمل ، فحينئذ بهذه المشاهدة العظمى ، التي ليست لغيرهم قد أكبروا شأنه ( أي مقامه ) أي تجلَّياته تبارك وتعالى ، وهم عليهم السّلام