الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

480

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وكيف كان فاللَّه تعالى قد طهّر قلوبهم المطهّرة عن هذا الدنس ، كما لا يخفى ، ومن الدنس ، نكس القلب وهو من آثار الشرك . ففي الكافي في حديث عن أبي جعفر عليه السّلام . . إلى أن قال عليه السّلام : وأمّا القلب المنكوس فقلب المشرك ، وجه كون قلبه منكوسا أنّ القلب إذا استضاء بنور العقل صار متعاليا وسما في العلو ، وأمّا إذا دخل فيه الجهل بما هو ظلمة كما علمته سابقا ، فلا محالة توجب ظلمته نكسا له ، لأنّه حينئذ ناظر إلى نفسه وإلى الجهة السفلى ، لأنّ عدم العلو هو السفل للقلب ، ولعلَّه إليه يشير قوله تعالى : ( ناكسوا رؤسهم عند ربّهم ) 32 : 12 ( 1 ) فإنّه لمّا أنكر الحقّ فلم يرفع رأسه إليه تعالى فلا محالة يكون ناكسا إلى نفسه أو إلى السفل واللَّه العالم . هذا وقد طهّرهم اللَّه تعالى عن هذا أيضا ، لما تقدّم مرارا من أنّ أرواحهم وقلوبهم عليهم السّلام مظهر للتوحيد كما علمته فيما تقدّم . ومن الدنس القلوب التي فيها نفاق وإيمان ، بيانه : أنّ الدنس القلبي المعبّر عنه بالنفاق له مراتب ، فربّما بلغ مرتبة الكفر الذي لا يجامع أي مرتبة من الإيمان ، ولو كانت ضعيفة ، وربّما يكون بمرتبة يجامع مع بعض مراتب الإيمان ، ولكن بحيث له أثر في القلب من الظلمة والمشي على المعاصي ، فحينئذ يكون صاحبه في خطر عظيم . قال الصادق عليه السّلام في بيان أقسام القلب : وأمّا القلب الذي فيه إيمان ونفاق فهم قوم كانوا بالطائف ، إن أدرك أجله أحدهم على نفاقه هلك ، وإن أدركه على إيمانه نجا . أقول : لأنّ الأجل يأتي بما يكون القلب عليه من حال الكفر أو الإيمان كما حقّق في علم الأخلاق . وكيف كان فهذا القلب الذي فيه نفاق هو قلب المنافق بما له من المراتب ، فإنّ النفاق أيضا ذو مراتب ، ولعلّ هؤلاء هم المعارون في الإيمان .

--> ( 1 ) السجدة : 12 . .