الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
466
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وبعبارة أخرى : ما ليس مرادا له تعالى بالتحريم أو بالمرجوحية ، أو كان ممّا لا ينبغي صدوره ممّن كان من المقرّبين يكون صدوره من الخطأ سواء كان عن قصد وعلم أو بلا علم وبلا قصد ، فيما كان التقصير في مقدماته على ما فصّل في محلَّه وفصّلناه في الجملة ، فجميعه من الزلل بقول مطلق . إذا علمت هذا فاعلم : أنّه تعالى قد عصم محمدا وآل محمد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم من تلك الزلل الظاهرية والباطنية والحالية والعلمية والعملية والقولية ، وما في الضمائر من الاعتقادات الباطلة ، والتأثير من الاحتمالات والموهومات المؤثرة في القلب ، والحاجبة عن مشاهدة الحق ، وكذلك عصمهم اللَّه تعالى من صفة الإنكار الحاصل من الشكوك ، ومن نفس الشكوك والجهل والغفلة والسهو والتكلَّف في الأمور ، والدعاوي الباطلة أي بغير حق ، والنسيان والفواحش ما ظهر منها وما بطن . وعلمت أيضا أنّه تعالى عصمهم من المعاصي كبيرها وصغيرها ، بل ومن التساهل فيما يراد منهم ، أو التماهل فيما يراد تعجيله ، بل علمت أنّ أعمالهم فيما يراد منهم تكون طبق إرادة اللَّه ووفق مشيئته كلّ على طبق محبّته ، والوجه في ذلك كلَّه أنّه تعالى جعل أرواحهم من نور عظمته ، وهو تعالى يفيض عليهم من الإمدادات النورية ، وذلك لحسن قابليتهم عليهم السّلام لذلك ولسعتها وقوتها بنحو انكشف بتلك الإمدادات تلك الظلمات من قلوبهم . كيف لا وقد علمت فيما تقدم أنّ قلوبهم عليهم السّلام محال فعله تعالى ، ولا فعل لهم عليهم السّلام إلا بفعله تعالى ، لأنّهم عليهم السّلام مظاهر توحيد الذات والصفات والأفعال كما تقدم شرحه ، وإليه يشير قوله تعالى : ( وما رميت إذ رميت ولكنّ اللَّه رمى ) 8 : 17 ( 1 ) وعلمت فيما سبق أنّهم عليهم السّلام كالحديدة المحماة فإنّها كما لا تحرق إلا بما ظهر فيها من آثار النار وفعلها ، بل المحرق حقيقة هو النار الظاهرة فيها وبفعلها الظاهرة في الحديدة ، فليست الحديدة إلا مظهرا للنار ولآثارها ، وإن أسند فعل الإحراق إلى الحديدة
--> ( 1 ) الأنفال : 17 . .