الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
462
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
لا ينافي صدور ما هو خلاف الواقع ، إذا صدر عن جهل ، فلا يكون معصية ، وإن كان فيه نقص خصوصا ممّن كان له منصب الإمامة ، فذكر عليه السّلام هنا أنّه تعالى عصمهم من الزلل بما لها من المعاني التي نذكرها إن شاء اللَّه ، لا أنّهم معصومون من خصوص المعاصي كما لا يخفى . وكيف كان فنقول : إنّه تعالى قد عصمهم من الزلل بما لها من المعاني وهي أمور ، وقد علمت أنّ الزلل بمعنى الذنب والخطأ . أمّا الذنب : فبالنسبة إلى المعاصي ، وقد علمت أنّهم عليهم السّلام معصومون عن المعاصي ، وتقدم الكلام فيه مفصّلا . وأمّا الخطأ : فهو قد يكون في القول المعبرّ عنه بالكذب ، وهو على أقسام : منها : الإخبار عن نفسه بما ليس بحق في الواقع ، وهو إمّا عن جهل بالواقع بأن أثبت لنفسه ما لم يكن له وكان جاهلا بالواقع ، وإمّا عن علم وهو أقبحهما كمن علم أنّه ليس واجدا لشرائط منصب وادّعى واجديته لها . ثمّ الأوّل على قسمين : ما يخبر عن نفسه بما ليس له ، ويعلم بالفطرة أنّه ليس له ، ولكن مع ذلك جهله بالتغير الحاصل في خلقه من عروض الكفر والصفات الرذيلة ، وهذا كما أخبر اللَّه تعالى عن المنافقين حيث ( قالوا نشهد إنك لرسول اللَّه ) 63 : 1 ، فهذه الشهادة شهادتهم بالفطرة ، بمعنى أنّ فطرتهم لو خليت ، مع قطع النظر عمّا عرض لها من الكفر والنفاق والصفات المذمومة ، تشهد بأنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم رسول اللَّه ، لكون رسالته صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم مطابقة لما فطرت عليه العقول ، إلا أنّ العقول قد تكون سليمة أي غير مشوبة بالشك الحاصل من الكفر والنفاق والحجاب والصفات الرذيلة فتشهد بها موقنة . وقد تكون غير سليمة ، فبمقتضى حقيقتها الأولية تشهد بها ، وبمقتضى الحالة العارضة لها تجحدها ، ولعلَّه إليه يشير قوله تعالى : ( وجحدوا بها واستيقنتها