الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

398

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

" ولا أكملتك إلا فيمن أحب " . ومنه يعلم الفرق بين الجملتين ، فإنّ قوله عليه السّلام : معادن حكمة اللَّه ، أشير به إلى نفس تحقق الحكمة عندهم عليهم السّلام وعبّر عنهم عليهم السّلام بمعادنها نظرا إلى أنّها لا توجد أصلا وفرعا إلا عندهم ومنهم كما هو شأن المعدن ، وأمّا قوله عليه السّلام مستودعا لحكمته ، يشار به إلى أنّ هذه الحكمة أو أنّ كونهم معادن حكمته تعالى ليست ذاتيا لهم ، بل هي وديعة عندهم عليهم السّلام ولذا تعلَّق بها رضاه تعالى أيّ أنّه تعالى رضيهم مستودعا لحكمته ويدلّ هذا بالالتزام على أنّهم عليهم السّلام قاموا بشأن الوديعة من حفظها والعمل بها كما ينبغي ، ويدلّ بالالتزام على عبوديّتهم الحقيقية عليهم السّلام حيث إنّ هذه الجملة تحكى عن أنّهم عليهم السّلام لما كانوا متّصفين بحقيقة العبودية وأنّهم قاموا بحقّها ، ولم يعارضوا بلحاظ واجديتهم لتلك الحكمة والعلم والمعارف التي كانت عندهم شيئا من أوصاف الربوبية ، بل تعاملوا معها بما يوافق ربوبيته تعالى كما هو حقّها ، وذلك لا يكون إلا لكونهم في كمال العبودية فرضيهم مستودعين لحكمته . وممّا ذكر يعلم : أنّ قراءة مستودعا ( بالكسر ) بدعوى أنّهم عليهم السّلام أودعوا الحكم التي أعطاهم اللَّه تعالى عنده تعالى ورضيهم عليهم السّلام كذلك أي رضي اللَّه عن أنّهم أودعوا الحكمة عنده تعالى ليس كما ينبغي ، وذلك لما عرفت من أنّ الاستيداع هو الاستيمان ، وذلك يستدعي مالكية المستودع ( بالكسر ) لما يستودعه وكون المستودع عارية عند المستودع عنده وهو فيما نحن فيه بالعكس كما لا يخفى إلا بضرب من المجاز والتأويل في مالكية المستودع لما يستودعه ، بأن يراد من الملك له أعم من الملك الحقيقي أو الاعتباري وهو تكلَّف بلا وجه . مضافا إلى أنّ هذه الجمل المتعاطفة بعضها على بعض قد ذكرت بلحاظ الامتنان ، فإنّه تعالى قد منّ عليهم عليهم السّلام بأن رضيهم خلفاء ومستودعا ( بالفتح ) لحكمته ، ولا ريب في أنّ هذا يناسب القراءة بالفتح لا بالكسر فتأمّل ، فإنّه قد يقال : إنّ الامتنان بلحاظ أن رضيهم مستودعين ( بالكسر ) لحكمته واللَّه العالم .