الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
385
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
بعنوان أنّه مخلوق ، واللَّه تعالى خالقه ، وهو تعالى خالق كلّ شيء ، فجميع أصناف الخلق وإن كانت متخصصة بخصوصيته من حيث النوع والفرد والتجرّد والمادة ، لكنها متّصفة بصفة أنّه مخلوق ، فالخليقة كالجنس يشمل جميع أنواع الموجودات ، وإن شئت فقل : إنّ الخلق مساوق للإيجاد والوجود . وأمّا المصوّر فهو ظاهر في الممثل أي معطي الصورة وخالقها وممثلها ، فهو ناظر إلى هذه الخصوصية ، ولعلّ هذا هو المراد من قوله : من فسّر المصوّر بالموجد للتقدير فتأمّل ، فإنّ التقدير ظاهر في خلق التقدير في قبال خلق التكوين ، والمصوّر هو الموجد للصورة في خلق التكوين ، ولذا قال بعضهم : المصوّر هو موجد ، ومصوّر من حيث إنّه مرتّب صور المخترعات ، وأمّا البارئ فهو ناظر إلى خلق الموجودات بلحاظ كثرتها وانتشارها في العالم ، ولعلَّه ناظر إلى عظمة قدرته تعالى في الخلق ، لكثرته على أنواعها في عالم الوجود فالبرية - الحق - أنّها من براء بالمعنى المذكور ( أي الخلق بلحاظ كثرته ) . وأما ما قاله بعض الأعلام من أنّ : كلَّما يخرج من العدم إلى الوجود مفتقر إلى تقديره . . إلخ ، ففيه ما لا يخفى فإنّ التقدير المذكور هو التقدير في العلم وقبل خلق التكوين ، فتفسير الخالق به ليس بصحيح ، لأنّ الخالق يراد منه الخالق بالتكوين ، فإن أريد به المقدّر في الخارج فهو المصوّر ، إذ التقدير والتصوير الخارجي مترادفان كما لا يخفى . وأمّا تفسير البارئ بالمخترع ففيه : أنّ الاختراع هو الابتداع والإنشاء ، فكونه تعالى خالقا من حيث إنّه لم يخلق شيئا مشابها لشيء كان قبله ، بل كان خلقه ابتدائيا فسمّي مخترعا ، فالاختراع هو الإيجاد لا عن شيء ولا من شيء ولا مشابها لشيء ، فتفسير البارئ به غير تام ، بل هو عبارة عن الخلق بلحاظ كثرته المنبئ عن عظمة خالقه لكثرته ، ولذا يقال في مقام التعجّب : سبحان البارئ ، بلحاظ كون التعجّب من كثرة الخلق والحمد للَّه وحده .