الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
374
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
اللَّه تعالى ، وهذه الصفة أي الرضا لا تكون إلا أن يكون اللَّه أحبّ الأشياء إليه ، قال تعالى : ( والذين آمنوا أشدُّ حبّا للَّه ) 2 : 165 ( 1 ) وأولى الأشياء بالتعظيم قال تعالى : ( ما لكم لا ترجون للَّه وقارا ) 71 : 13 ( 2 ) وأحقّ الأشياء بالطاعة ، قال اللَّه تعالى : ( أطيعوا اللَّه ) 4 : 59 فمن كان كذلك كان راضيا ومن رضي عن اللَّه بكل ما قضى وقدر فقد خرج عن حظوظه ، وفنت إرادته في إرادة اللَّه واستوت حالاته ، فلا يفرح بحصول مرغوب ولا يحزن بفواته ، ولا يساء ولا يغتم بوقوع مكروه ، ولا يفرح بزواله ، ويتساوى عنده النعمة والبلاء ، والشدة والرخاء ، والسرّاء والضرّاء ، لأنّه مريد بإرادة اللَّه تعالى لا بإرادة نفسه ، ومن هذه صفته يرى كلّ ما أصابه بإرادة اللَّه تعالى ، ولا يميل إلى شيء ليس في يده ، فلا محالة لا يخاصم الخلق كيف وهو يراهم براء من أفعالهم ، أسراء تحت حكم اللَّه تعالى لأنّ اللَّه تعالى يفعل بهم ما يفعل إمّا جزاء وإمّا عقوبة وكلَّها لمصلحة يراها اللَّه تعالى ، ويرى أيضا كلّ ما قسم له واصلا إليه ، وكلّ ما لم يقدر له ممتنع الحصول فلا يلح في المسألة إلا من اللَّه ، ولا يسأل أحدا شيئا إلا إذا ظنّ أنّ المطلوب يمكن أن يكون موقوفا على السؤال شرعا ، ومع ذلك يجمل في السؤال والطلب ، ولا سؤال له إلا من اللَّه تعالى ، وإذا وصل العبد مقام الرضا عن اللَّه فلا محالة تمحى صفاته وإرادته ، وتقوم صفات الحق من الرضا والسخط والإرادة مقام إرادته وصفاته ، فليس له حينئذ صفة ولا إرادة ولا رضا ولا سخط إلا وهو فرع إرادة اللَّه وسخطه ورضاه تعالى ، ويصير مصداقا لقوله : ( وما تشاؤن إلا أن يشاء اللَّه ) 76 : 30 ( 3 ) فحينئذ لا محالة لا يتحكم في الأشياء بالتشهّي والهوى بترجيح شيء على شيء ، وإيثار أمر دون أمر ، بل يمضي في ذلك كلَّه على ما يقتضيه رضاه تعالى ، فلا يختار حالا دون حال ، لأنّه حينئذ مختار باختيار اللَّه تعالى ، ولا يعمل التمييز فيما فيه راحته وسروره ، بل يختار ما يختاره المحبوب تعالى ، ولو كان دخول النار ، وعلمت
--> ( 1 ) البقرة : 165 . . ( 2 ) نوح : 13 . . ( 3 ) الإنسان : 30 . .