الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
330
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وبعبارة أخرى : أنه قد ثبت في محله أن كل كمال يرجع إلى العلم بلا استثناء ، وجميع كمالاته تعالى آثار علمه تعالى . فيكون حاصل المعنى أنه تعالى اصطفاهم بحقيقته ، التي يكون جميع الحقائق منشعبة منها ، فهم عليهم السّلام مصطفون ومختارون بالفتح بما لا يمكن ولا يتصور فوقه اصطفاء ولا اختيار ، حيث إنه من الله وبعلمه فلا يحاذيهم أحد في هذا الاصطفاء ، ولا يكون في صقع الوجود بمثلهم من حيث الاصطفاء والكمال . فهذا المعنى يساوق معنى قولهم عليهم السّلام : " نحن صنائع ربنا . . إلخ " أي نحن مخلوقون بقدرة ربنا وعلمه اللذين ليس فوقهما علم ولا قدرة ، فنحن فوق المخلوقين . وبعبارة أخرى : أنه تعالى أعمل فيهم حين خلقهم علمه النافذ وقدرته الكاملة ، فأوجدهم بأحسن وجه ما ينبغي ، وأكمل ما يمكن ، وأجمع للكمالات بما يمكن كما قال عليه السّلام : إن الله خلقنا وأحسن خلقنا ، وصوّرنا وأحسن صورنا . . إلخ ، ولذا ورد أنهم الآيات التي أراها الله تعالى لعباده حتى يتبيّن لهم أنه الحق وتقدم قوله عليه السّلام : " فأيّ آية لله أكبر منا أهل الآفاق " أو ما هو بمعناه قال النبي والوصي ( صلى الله عليهما وآلهما ) : " ما لله آية أكبر مني ، ولا لله نبأ أعظم منى ، " كلّ ذلك يشير إلى أنهم بكمال من الاصطفاء حيث إنهم مصطفون بعلمه بنحو ما ذكر . وتقدم قول النبي صلَّى الله عليه وآله : " إن الله اصطفاني واختارني ، " ومعنى الاصطفاء في شرح قوله عليه السّلام : " المصطفون ، " فما ذكره المجلسي قدّس سرّه في شرح الفقيه من قوله اصطفاكم بعلمه ، أي عالما بأنكم أهل الاصطفاء ، فإن هذا المعنى في نفسه وإن كان صحيحا إلا أنه لا يراد منه من هذه الجملة ، لأنه خلاف ظاهرها كما لا يخفى . وقد يقال : معنى كونهم اصطفاكم بعلمه أنه تعالى لما جعلهم خزان علمه ، ومعلوم أنه عام يشمل جميع العلوم ، فيلزمه إحاطتهم عليهم السّلام بجميع الأشياء إحاطة علمية ، وهذا لا يمكن إلا بتجريدهم وتصفيتهم من جميع مراتب الوجود وتزكيتهم وتنزيهه عن تمام الحدود ، وبلوغه تعالى بهم إلى مرتبة التجرد التام ، التي يمكن