الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

282

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

من رجال أمّة محمد صلَّى اللَّه عليه وآله فقال اللَّه تعالى : ( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ) 5 : 119 ( 1 ) . وقال أمير المؤمنين عليه السّلام : " الصدق سيف اللَّه في أرضه وسمائه أينما هوى به يقده ، فإذا أردت أن تعلم أصادق أنت أم كاذب فانظر في صدق معناك وعقد دعواك وغيّرهما بقسطاس من اللَّه تعالى كأنك في القيامة ، قال اللَّه تعالى : ( والوزن يومئذ الحق ) 7 : 8 فإذا اعتدال بغور دعواك ثبت لك الصدق ، وأدنى حدّ الصدق أن لا يخالف اللسان القلب ولا القلب اللسان ، ومثل الصدق الموصوف بما ذكرنا كمثل النازع لروحه إن لم ينزع ، فما ذا يصنع ؟ " . أقول : يشير أواخر كلامه عليه السّلام إلى أن الصدق له مراتب متعددة يطلق عليها بنحو التشكيك ، فأدناه أن لا يخلف اللسان القلب ولا القلب اللسان ، وأعلاه كمثل من هو في النزع قد تجمّعت جميع شؤونه في شأن واحد ، فلم يبق له التفات إلى غير النزع لعظم الخطب النازل وهو المراد من قوله عليه السّلام : " إن لم ينزع ، فما ذا يصنع ، " أي يرى نفسه منحصرة في النزع الذي لا بد منه ، فلا محالة ليس له عمل إلا به فكذلك أعلى مراتب الصدق فإن صاحبه محترق في نار المحبة ، التي أوجبت له حال الصدق في عبوديته لمولاه ، وقد اشغلته حرارة نارها بالطلب عن كل شأن حتى عن نفسه ، فهو في فناء محبوبه غائب عن نفسه وشئونها كمثل النازع روحه ، فصفة الصدق الحقيقي الحاصل من نار المحبة توجب إعراضه عمّا سواه تعالى وعن نفسه وبدنه بحيث يذهل عنها ويشتغل بالنظر إلى محبوبه وإلى مرضاته ، كما أن النازع يذهل عن بدنه ويشتغل بالنزع . والصادق أيضا يفرّ عن نفسه إلى محبوبه كل ذلك لمشاهدة الحق تعالى ، ومشاهدة أن ما سواه حتى نفسه هو الباطل المضمحل الذي لا ينبغي الالتفات أبدا إليه ، وهذه المراتب بما لها من الكمال الأتم لا ينالها إلا محمد وأهل بيته ( عليهم الصلاة والسلام ) لأن من سواهم على قسمين :

--> ( 1 ) المائدة : 119 . .