الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
272
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وسبحه ، ونحن سبب خلق الخلق ، وسبب تسبيحهم وعبادتهم من الملائكة والآدميين ، فبنا عرف اللَّه ، وبنا وحّد اللَّه ، وبنا عبد اللَّه ، وبنا أكرم اللَّه من أكرم من جميع خلقه ، الحديث بطوله في ص 102 فراجعه . فقوله عليه السّلام : ففضل نورنا من نور ربنا كشعاع الشمس من الشمس ، وقوله عليه السّلام : " إنهم تعالى خلقهم من نور عظمته " يشير ويدل على هذا القرب المعنوي الذي ذكرناه كما لا يخفى . وفي تفسير نور الثقلين ( 1 ) ، عن أمالي شيخ الطائفة رضي اللَّه عنه بإسناده إلى ابن عباس قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : " لما عرج بي إلى السماء ودنوت من ربي عز وجل حتى كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى ، قال لي : يا محمد من تحب من الخلق ؟ قلت : يا رب عليّا قال : التفت يا محمد ، فالتفت عن يساري فإذا علي بن أبي طالب عليه السّلام " . قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : " حتى كان بيني وبينه . . إلخ يشير إلى ذلك القرب ، الذي لم يكن لأحد حتى للملائكة المقربين كما صرحت به الأحاديث " . ثم إن هذا القرب وما له من رؤية الفؤاد ما رأى المشار إليه بقوله تعالى : ( ما كذَب الفؤاد ما رأى ) 53 : 11 ( 2 ) يراد منه المشاهدة العينية للفؤاد ، وهي نوع من الإدراك الشهودي للإنسان وراء الإدراك بأحد الحواس الظاهرة ، أو بالحواس الباطنة من التخيّل والتفكير ، وذلك كما أننا نشاهد من أنفسنا أننا نرى مع أنه ليست هذه المشاهدة العيانية إبصارا بالبصر ولا معلوما بالفكر ، وكذا نرى من أنفسنا أننا نسمع ونشمّ ونذوق ونلمس ، أننا نتخيل ونتفكر ، وليست هذه الرؤية ببصر ، أو من الحواس الظاهرة أو الباطنة فإنا كما نشاهد مدركات كلّ واحدة من هذه القوى بنفس تلك القوة ، كذلك نشاهد إدراك كلّ منها لمدركها ، وليست هذه المشاهدة بنفس تلك القوة ، بل بأنفسنا المعبّرة عنها بالفؤاد .
--> ( 1 ) تفسير نور الثقلين ج 5 ص 158 . . ( 2 ) النجم : 11 . .