الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
266
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
في أنه تعالى استوى منه ، ولذا قال عليه السّلام بعد هذا التفصيل استوى من كلّ شيء ، أي الكلّ متساوون في هذا الاستواء ، والمراد من استوائه تعالى على الكلّ المساواة في النسبة ، أي أنه تعالى قيّوم لكلّ شيء بالمساواة ، ومستو عليه بالعلم والقدرة والغلبة ، والأخذ بالناصية بنسبة هذا بحسب الظاهر ، واللَّه العالم . ويمكن أن يراد من الاستيلاء عليه ، أو الاستقامة عليه كما قيل ، فهذا الاستيلاء والاستواء منه تعالى لكل شيء استلزم قرب المستولي عليه إليه تعالى بالملازمة العقلية ، إلا أن هذا القرب ليس قربا يطلبه أولياء اللَّه تعالى ، فليس هذا فضلا ، ولا فضيلة لأحد ، لأن أنقص خلق وشرهم له هذا القرب من شؤون عظمته تعالى وقاهريته بالنسبة إلى الخلق ، فهو من أوصافه الجلالية كما لا يخفى . وإليه يشير ما في دعاء الجوشن الكبير من قوله عليه السّلام : " يا من هو في علَّوه قريب " قال المحقق العارف السبزواري رضى اللَّه عنه : يعني أنه في عين كونه في مقام غيب غيبوبة قريب إلى أدنى الأداني ، وعرشه محيط بالفرش لا كالعالي الجسماني حيث يخلو منه الداني . نعم هو قريب لا بالمقارنة كمقارنة الشيء مع الشيء مع الشيء بل قربه قرب الشيء مع الشيء ، والسرّ في هذا القرب أنه لما كانت الموجودات فقراء في ذواتها إليه تعالى ، ومتقوّمات في وجوداتها بقيوميته تعالى ، ومنطويات بظهوراتها في ظهوره ، بل هي نفس الفقر والظهور ، كان قربه تعالى أعلى القربات غير مشوب بشيء من أنحاء البعد ، فليس له مكان وزمان حتى يتقرب من شيء بحسبهما فهو قريب إلى كل شيء بلا كيفية ثابتة في المتقاربين في المخلوقين . ولعله إليه يشير قوله تعالى : ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) 50 : 16 ( 1 ) . فإن الوريد عرق متفرق في البدن ، فيه مجاري الدم ، والمعنى واللَّه العالم أن حيوة الإنسان بذلك الوريد ، بل هي هو من شدة القرب والاتحاد ، فهو تعالى أقرب إلى
--> ( 1 ) سورة ق : 16 . .