الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

231

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

فلنفسه ومن أساء فعليها ) 41 : 46 ( 1 ) وقال أمير المؤمنين عليه السّلام : " لأنه لا تضرّه معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه " فالطاعة والمعصية كل منهما يتحقق في دائرة الخلق ، وأما الخالق فهو كما كان لا يتغير بهذه الأمور كما لا يخفى ، فحينئذ يظهر أن عبادة العارفين لا تزيد في سلطانه تعالى ، كما أن الكافرين ومعصية العاصين لا تنقص منه مثقال ذرة ، فلا محالة تكون الأوامر والنواهي منه بهذا اللحاظ إرشادا لخلقه إلى منافعهم ومضارّهم ولا يرجع إليه تعالى منهما نفع ولا ضرّ ، فحينئذ إذا علم العبد هذا المعنى فلا محالة إذا عمل بالمعاصي فقد ظلم نفسه وعصى ربّه ، أي انحرف عن طاعته بما يرجع إلى ضرر نفسه لا إلى ضرر ربّه فلا تكون معصيته هنا لسلطانه تعالى خصوصا عن جحود لربوبيته ، أو تكون استخفافا بأمره أو تهاونا بنهيه ، بل يكون العبد ظالما لنفسه ولذا قال سيد العابدين في دعاء كميل : " ظلمت نفسي ، " وقال السيد السجاد عليه السّلام : " ما عصيتك إذ عصيتك وأنا بربوبيتك جاحد " ، الدعاء . فحينئذ تكون تلك المعاصي على تقدير صدورها من أحد غير موجبة للقطع عن العبودية للرب المتعال أو الإنكار والجحود ، فلا توجب هذه المخالفة تهاونا وجسارة على مقام المولى سبحانه ، ولذا نقل عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال : " إنّ ذنوبي وإن كانت قطيعة ولكني ما أردت بها قطيعة " . أقول : أي يريد عليه السّلام ما عصيته حين عصيته وأنا منقطع عنه تعالى بالإنكار لربوبيته أو بالتهاون لأمره ، ونتيجة هذه المعصية هو الحرمان عن النصيب منه تعالى ، ولذا قال تعالى : ( ما يفعل اللَّه بعذابكم إن شكرتم ) 4 : 147 ( 2 ) ، يعني : إن آمنتم وصرفتم نعماءكم فيما خلقتكم لأجلها فلا يعذبكم اللَّه بمعاصيكم ، لأن هذه المعصية إنما صارت ضررا على مصالحكم لا على مصالح ربّكم ، وهذه المحرومية قابلة الجبران بالعفو والغفران ،

--> ( 1 ) فصلت : 46 . . ( 2 ) النساء : 147 . .