الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
225
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
ذاته المقدسة آثار الجمال والجلال بلا تكرار في التجلَّي ، فهم عليهم السّلام مشاهدون تلك الحقيقة التي هي شيء بحقيقة الشيئية ويشاهدون آثارها ، وهذه المشاهدة تؤثر في حقيقتهم عليهم السّلام أثرا لا يدركه إلا من ذاق محبة المؤانسة ، ومن شاهد جماله تعالى ، فهم عليهم السّلام مشتعلون بنار المحبّة والعشق الإلهي ، ويشاهدون حقيقته وعظمته تعالى ، فمشاهدة هذين الأمرين أعني جماله وعظمته التي هي عبارة عن جلاله ينفي عن حقيقتهم كلّ ما سواه حتى أنفسهم الشريفة المقدسة ، وهم يبرزون ويعبرون في تلك الحالات عن حقيقة وجودهم بالذنب ، لما يرون من كونه حدّا بالنسبة إليه تعالى ذنبا ، وإن كانوا بالنسبة إلى غيرهم من الخلق في كمال التقرب والسعة ، ومشاهدة هذا الحدّ يكون عليهم عليهم السّلام ثقيلا ، بحيث تؤثر فيهم أثر البكاء والأنين أكثر من تأثير المعصية في قلب العاصين إذا ندموا ورأوا أنينها على قلوبهم ، فهم عليهم السّلام في تلك الحالة يضجّون إليه تعالى شوقا إلى جماله ، وخوفا من مشاهدة عظمته وجلاله ، وفي تلك الحالة يرون وجودهم وجميع أعضائهم من المعصية حيث إنها تقلَّبت وعملت في الحدّ ، الذي هو وجودهم ومانعهم عن المراتب الغائبة عنهم من ذاته المقدسة تبارك وتعالى التي لا نهاية لها ولا نفاد . وبعبارة أخرى : أن الخلق مهما كان لا بد له من العمل ، إذ الطريق له إلى خالقه بالعمل ، وهذا موقوف على وجود العامل أعني الوجود الخلقي ، وقد علمت فيما تقدم من قول أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة له : " وخلقه الخلق حجاب بينه وبينهم " فالخلق وإن كان أشرف المخلوقات فهو حجاب ، ولذا عبر عنهم عليهم السّلام بالحجب وعبر عنه صلَّى اللَّه عليه وآله بالحجاب الأكبر كما في الأحاديث . والحاصل : أن وجود الكامل حجاب بينه وبين ربّه ، وهذا لا ينفك من المخلوق حال وجوده ، فالمخلوق محجوب بوجوده ، وهذا الوجود في قبال مشاهدة الحق تعالى يعدّ عندهم عليه السّلام وعند الواصلين تقصيرا ، والمقصر مذنب والمذنب خائف من ذنبه .