الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
192
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
فإذا نزل هذه المنزلة ، وتلافى ما فرط ، والتزم بالخضوع والخشوع ، وكان واردا على الموت والبعث وما بعدهما بقلب سليم وسرّ صحيح ، ونفس خاشعة للَّه تعالى ، صابرة على بلائه ، شاكرة لنعمائه ، وعقل عارف به عاشق مشتاق لحضرته ، طالب لما عنده تعالى من النعيم المقيم ، الذي لا زوال له ولا اضمحلال ، ومن السرور الدائم والحضور في الجنان والروح والريحان والرحمة والرضوان ، فإذا وصل إلى هذه المعارف والألطاف الإلهية علم بحقيقة ما هو فيه الآن ، وعرف حقيقة الدنيا والعلة التي بها هبط إلى آخر ما مرّ . ثم إنه قد علمت أن النور الذي به التأييد للعقل هو أرواح الأئمة عليهم السّلام وأنوارهم وله أشار في حديث أبي خالد من قوله عليه السّلام : النور واللَّه الأئمة عليهم السّلام ، وقوله : وهم الذين ينورون قلوب المؤمنين ، ويحجب اللَّه نورهم عمّن يشاء ، فتظلم قلوبهم ويغشاهم بها ، فلا محالة لا بدّ من تحصيل هذا النور منهم بالتوسل بهم والتضرع لديهم ، وقد تقدم قول الصادق عليه السّلام في حديث مفضل عن الاختصاص : أجمل الأمر ما استأهل خلق من اللَّه النظر إليه إلا بالعبودية لنا ( أي إلا بالخضوع لنا وبالانقياد والتسليم لنا كالعبد في قبال مولاه ) فإذا منحوه هذا النور يصل إلى ما ذكرناه آنفا . وإليه يشير أيضا ما تقدم عن الخصال ، عن علي : " المؤمن يتقلب في خمسة أنوار " الحديث ، فإنه حينئذ يصير تمام شؤونه منورا بنور المعرفة ، فلا محالة يكون مخرجه ومدخله وعلمه وكلامه ومنظره نورا ، فهذا الشخص قد جلا قلبه فهو شاهد الأمور الربوبية ، وتحصل له قابلية أن يكون من القسم الثالث المشار إليه سابقا ، هذا كلَّه بعض الكلام في حال القسم الأول من الطائفتين . وأما القسم الثاني : أعني بهم من يسير بجناحي العرفان والعشق والمحبة في فضاء عالم الحقيقة إلى عالم الربوبية إلى آخر ما تقدم ، فهؤلاء قد أشير إليهم في الأحاديث نذكر بعضها ، ثم نعقبها بما لا بدّ منه في شرحها من الكلام فنقول :