الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

190

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

يتقوى ولا يستكمل ولا يتغذّى إلا بما هو من سنخ ذاته ونوعه . ثم إن المراد من النور الملكوتي الذي شأنه هو ظهور الأشياء عند الحس والعقل هو المعرفة الإلهية ، التي عرفت أنها لا تكون إلا بإذن اللَّه ، وليس للبشر فيها صنع ، ويطلق على أرواح الأئمة عليهم السّلام لما علمت سابقا من أن ذواتهم المقدسة إنما هي حقيقة الأسماء الحسني ، وهم حقيقة معارف اللَّه تعالى ، وقد يطلق على رحمة اللَّه تعالى الشاملة لعباده كلّ بحسبه ، وحينئذ يطلق أيضا على ما يلقيه اللَّه تعالى في قلوب العارفين من صفاء وجلاء به يظهر عليهم حقائق الحكم ودقائق الأمور ، وقد يطلق النور على الربّ تبارك وتعالى ، لأنه نور الأنوار ، ومنه يظهر جميع الأشياء في الوجود العيني . ثم أفاد عليه السّلام بعد ما بين أن تأييد العقل الإنساني ليس إلا بما هو من جنس العلم والمعرفة وسايرها أن العقل المؤيد بنور البصيرة العلمية ، أعني العلم باللَّه واليوم الآخر ، ممّا يهتدي به الإنسان إلى سلوك السبيل إلى اللَّه ، ويتمكن من الخلاص عن الجحيم والنجاة من العذاب الأليم الذي منشأه البعد عن عالم الرحمة والرضوان والاحتجاب عن الحق بالهوى إلى عالم الغضب والنيران ، وبين عليه السّلام أن الإنسان يعلم ذلك ويهتدي تلك الهدايات الإلهية بسبب ذلك النور ، الذي أيد عقله به وعلم به كيفية السلوك إلى الآخرة ، ويعلم علَّة ذلك السلوك . وبذلك تحصل له الداعي للخروج من النقص إلى الكمال ، ومن الهبوط والدنو السفلي إلى الشرف والعلو ، ومن الشقاوة إلى السعادة ، ومن الظلمات إلى النور ، ويعلم أيضا جهة الآخرة ومنازلها وصراطها المستقيم ، ويعلم أيضا الأئمة الهداة من أئمة الضلال ، والمعلم الناصح من المغوى الغاشي ، فإذا عرف هذه الأمور معرفة صحيحة وعلما يقينيا عرف مجراه ومسلكه المستقيم هو إلى سمته أو معدول عنه أو موصول لمطلوبه الذي يقصده أو مفصول عنه . كل ذلك بينه عليه السّلام بقوله : فعلم بذلك كيف ، أي كيفية السلوك والوصول إلى