الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
163
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
الواقع يكون على وفق الحكمة الإلهية ، ولذا يظهر بعد لهذا النبي ولغيره تلك الحكمة ، وحاصل قصة يونس عليه السّلام أنه لما عرض عليه ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام تردّد في قبولها ، كما روى ذلك عن السجاد عليه السّلام فكان هذا الترديد تركه أولى من مثله ، ففعل اللَّه تعالى إصلاحا لشأنه . فهنا مطلبان : الأول : أنه كيف تردد في الولاية ، الثاني : أنه كيف فعل اللَّه به لإصلاحه . أمّا الأول : فربما يقال : إنّ ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام عبارة عن مظهريته عليه السّلام لجميع الصفات الإلهية الحسنة ، التي منها كظم الغيظ ، وقبول الشفاعة في حق العصاة ، وهذه الصفة قد تردد وتخلَّف عنها يونس عليه السّلام وذلك أنه لما رجع قومه عن العناد ، وجعلوا العالم روبيل شفيعا بينهم وبين يونس ، ليشفع لهم عند اللَّه ، ويكظم هو غيضه عنهم ، فلم يقبل يونس قول روبيل ، ولم يقبل شفاعته فيهم ، مع أنه من شأن الكامل الذي أكمل مصداقه أمير المؤمنين عليه السّلام أن يقبل الشفاعة فبردّه شفاعته قد ردع ولاية أمير المؤمنين من هذه الحيثية ، ولم يصبر معهم ومعه . قال اللَّه تعالى : ( إذ ذهب مغاضبا ) 21 : 87 يعني لقومه ، وهو معنى التردد في ولاية أمير المؤمنين ، كما قال تعالى : ( فظنّ أن لن نقدر عليه ) 21 : 87 وهذا تقصير في حق مثله ، لأنه نقص في المسافة إلى الدرجات العلى ، ولم يكن ذلك و ( العياذ باللَّه ) منه ذنبا ، أو تقصيرا في حق قومه بحسب الظاهر ، فإنهم لمعصيتهم استحقوا العذاب ، فلو لم يرحمهم يونس عليه السّلام لما كان ذنبا إلا أن سعة رحمته تعالى تقتضي العفو عنهم ، إذا كان هناك شافع ، فمع حصول الشافع كما علمت وردّه وعدم قبوله كأنه ردّ وعدم اعتناء بالنسبة إلى تلك الرحمة الواسعة كما لا يخفى . هذا مع أنه قد اتفق مثل ذلك بل أشد منه لأمير المؤمنين عليه السّلام فلم يصدر منه عليه السّلام إلا العفو عنهم ، أو أنه أخبر بالعفو عنهم ، كل ذلك اعتمادا منه على سعة رحمته الواسعة تبارك وتعالى ، فراجع أحواله عليه السّلام في البحار .