الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

143

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الخلق . فأدنى المخلوقين قد عرف اللَّه تعالى بما عرفه به نفسه ، وأشرف المخلوقين أيضا قد عرفه اللَّه تعالى نفسه بالآيات ، التي جعلها فيه كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وقال عليه السّلام : " ما للَّه آية أكبر مني " وبين المرتبتين مراتب كثيرة لا تتناهى جدّا . وكيف كان فهذه المعرفة معرفة شخصيّة ، والمعرفة الكليّة هي التي وصفها اللَّه تعالى وأثبتها لنفسه وحينئذ معنى قوله : أشهد كما شهد لنفسه ، أني أشهد بالوحدانية التي وصفها اللَّه تعالى لنا في كتبه وبلسان أنبيائه ، وإن لم يكن ظاهرة بحقيقتها لنا ، بل كانت ظاهرة له تعالى فقط ، إلا أنا نشهد بالوحدانية حال كونها موصوفة بما وصفها اللَّه لنا ، وتبين هذه الجهة بقولك : كما شهد لنفسه ، ويؤيده بل يدل عليه ظاهر العطف في قوله تعالى : ( شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم . . ) 3 : 18 ( 1 ) المقتضي للتشريك . وبعبارة أخرى : أن ظاهر العطف هو اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه في الشهادة ، مع أنه قد علمت أن الشهادة الحقيقية مختصة به تعالى لا يشترك معه أحد ، فحينئذ لا بدّ من أن يكون المراد المعطوف عليه أي شهادته تعالى لنفسه في الآية المباركة هي الشهادة التوصيفية لخلقه ، لا الشهادة الحقيقية لذاته ، ليصح العطف الدال على الاشتراك وحينئذ قولك : أشهد أن لا إله إلا اللَّه كما شهد اللَّه لنفسه ، داخل في شهادته بهذا النحو ، فالكاف قد أتى لها للاتحاد بين الشهادتين ، فشهادته تعالى لنفسه تكون عين شهادتك له تعالى في الوصف له تعالى بالوحدانية ، الذي ذكره تعالى بلسان أنبيائه وكتبه . ثم إن التوصيف قد يكون بلحاظ الكلية بالنسبة إليه تعالى ، وقد يكون بلحاظ توصيفه تعالى نفسه لكلّ فرد من عباده بالخصوص ، وما ذكرنا هو مبني على الأول ، وأما على الثاني فحينئذ يكون معناه أني أشهد له بالوحدانية كما وصف نفسه

--> ( 1 ) آل عمران : 18 . .