الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

132

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

هذا تفسير كلمة التوحيد بلحاظ مفرداتها ، وأما مضمونها جملة فهو وإن حصل من بيان المفردات إلا أن حاصل المستفاد منها ما توضيحه أن أوهام المتوهم من عامة الناس الذين أغلبهم من المشركين والغافلين عن حقائق الأمور قد انست من جهة كثرة الفاعلين المدعين للاستقلال بالفعل ، والمالكين المدعين للمكنة الحقيقة ، والمتكبرين على الناس ظلما أو جهلا في الأمور ، والمستعبدين لهم لإطاعتهم إطاعة العبد لخالقه كما شاهدوها عن الفراعنة . فإن معنى الإله في جميع موارد إطلاقه هو إله الحق ، والإله الذي زعموا أنه إله من معبوداتهم المتعارفة بأنحائها ، وبهذا اللحاظ جوّزوا إطلاق إله على الجميع من المعبود بالحق والباطل إطلاقا حقيقيّا عندهم إما بوضع الإله لها بنحو التشكيك حيث إن المشركين وإن كانوا يعتقدون بمعبودية الأصنام مثلا إلا أن المرتكز في أذهانهم ولو كانوا غافلين عنه هو المعبود بالحق والإله الحقيقي ، كما ربما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنهم : ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى ) 39 : 3 ( 1 ) . فلا محالة حينئذ إذا قيل بإطلاق الإله على الحق والباطل بالوضع فلا بدّ من أن يكون بنحو التشكيك بأن يكون للموضوع له مراتب مختلفة في الشدة والضعف في ملاك المعبودية يكون أفضلها المعبود بالحق الذي يعبدون غيره من المراتب الدنيّة ليقربوهم إليه زلفى ، ولا يمكن أن يقال : بأنّه موضوع لمطلق الإله الأعم من الحق والباطل بنحو التواطؤ ، كالإنسان بحيث يطلق على جميع أفراده من الحق والباطل على السواء ، لما علمت من أن المرتكز في أذهانهم هو إله الحق وإن ذهبوا إلى عبادة الآلهة الباطلة فقوله تعالى : ( لا إله إلا اللَّه ) 47 : 19 إنما نزلت ردعا لأوهامهم الباطلة رحمة منه تعالى لهم وهداية منه تعالى لنجاتهم . فحينئذ يكون معنى جملة كلمة التوحيد هو نفي الآلهة الباطلة الثابتة في

--> ( 1 ) الزمر : 3 . .