الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

122

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الأتم ، الذي لا يفرض فوقه كمال أبدا ، فهو الذات الواجب الأزلي الأبدي المستجمع لجميع الكمالات والصفات الجمالية والجلالية ، وما يفرض خارج الذات المقدس فهو الموجود الحائز والممكن بالإمكان الذاتي ، فحينئذ لو فرض واجب آخر فلا صقع لوجوده إلا في ظرف الإمكان ، لما علمت من أنه لا يمكن في ظرف الوجوب لثبوت وحدته ، فإذا فرض أنه لم يوجد مفروض الواجب إلا في ظرف المكان ، فلا محالة لا يكون بذاته واجب الوجود ، بل يمتنع ويكون ممكن الوجود كما لا يخفى . فظهر من جميع ما ذكرنا : أنه لو فرض تعدد الآلهة وقع التصادم والتدافع في مركز الوجوب ، وفي الكمال المطلق والغنى الحق ، وأن ذاته المقدسة التي هي الغنى المطلق يدفع توهم وجود آلهة أخرى كمثله تعالى ، ويقتضي نفي آلهة أخرى ، وإلا لما كان واجب الوجود ، فحينئذ بهذا البرهان العقلي وجب العلم وحصل العلم القطعي والحضور الحقيقي والعيان البديهي بحيث لا يحتمل النقيض عقلا بوحدة الواحد ، بحيث يدرك القلب والعقل دركا وجدانيا ، فهذا معنى أشهد ( اي أجد وأدرك ) أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له . وبعبارة أخرى : قال تعالى : ( وما كان معه من إله إذا لذهب كلّ إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) 23 : 91 ( 1 ) يعني لو كان هناك إلهان كاملان ، لاقتضى كمال كل واحد منهما طلب العلو على الآخر ، فهذا الاقتضاء يقتضي التصادم بينهما دائما ، فلو شاء واحد منهما أن يخلق إنسانا ، وشاء الآخر أن يخالفه طلبا للعلو فيخلق بهيمة فحيث فرض وجوب وجودهما ذاتا ، الذي لازمه وجود ما أراد أن يخلقه ، فيكون الخلق منهما على مشيتهما من إرادة خلق الإنسان من أحدهما والبهيمة من الآخر ، ومعلوم بالضرورة أن اختلاف إرادتهما إنسانا وبهيمة في حالة واحدة بنحو الوجوب من أعظم المحال ، فيلزم عدم وجود ما أراد أو هو باطل لمنافاته لوجوب وجودهما .

--> ( 1 ) المؤمنون : 91 . .