السلمي
32
طبقات الصوفية
عن رجل من أهل إسكَنْدَرية ، يقال له اسلمُ بنُ يزيد الجهني ؛ قال : لقيته بالإسكندرية ، فقال لي : من أنتَ يا غلامُ ؟ . قلتُ : شابٌّ من أهل خُراسان . قال : ما حَمَلَك على الخروجِ من الدنيا ؟ . قلت : زُهْداً فيها ، ورجاءً لثواب الله تعالى . فقال : إنْ العَبد لا يَتِمُّ رجاؤُه لثواب اللهِ تعالى ، حتى يَحْمِل نفسَه على الصَّبْر . فقال رجلٌ ، مِمَّن كان معه : وأيُّ شيءٍ الصَّبْرُ ؟ . فقال : إنَّ أَدنَى منازلِ الصَّبرِ ، أن يَرُوضَ العبدُ نفسه على احتمالِ مكارهِ الأَنْفُس . قال ؛ قلت : ثم مَه ؟ . قال : إذا كان مُحْتمِلا للمكاره ، أورثَ اللهُ قلبَه نوراً . قلتُ : وما ذلك النورُ ؟ . قال : سِراجٌ يكون في قلبه ، يُفَرِّق به بَيْنَ الحق والباطل ، والناسخ ، والمُتَشابه . قلت : هذه صفةُ أولياءِ ربِّ العالمين . قال : أستغفِر الله ! . صدق عيسى بنُ مريم ، عليه السلام ، حين قال : لاَ تَضَعُوا الْحِكْمَةَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهَا ، فَتُضَيِّعُوهَا ؛ وَلاَ تَمْنَعُوهَا أهْلَهَا ، فَتَظْلِمُوهَا . فَبَصْبَصْتُ إليه ، وطلبتُ إليه ، وطَلب مَعِي أصحابُه إليه . فقال عند ذلك : يا غلامُ ! . إياك - إذا صحبتُ الأَخْيارَ ، أو حادثتَ الأبْرار - أن تُغْضبَهم عليك ؛ فإن الله يَغضَب لغضبهم ، ويرضى لرضاهم . وذلك