الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
484
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
أما الأول ( أي ما كان في علمه تعالى بأنه قدّره ) : فقد اطلعهم عليهم السّلام بواسطة محمد صلَّى اللَّه عليه وآله فهذا في كونه سابقا في الجملة مما لا شك فيه ، وأما أنه يبقى أو يتغير فعلى أقسام ، منه ما أخبرهم عليهم السّلام بأنه لا يتغير أبدا ، وعلَّمهم أنّه ليس في عالم الغيب والشهادة له مقتضى التغيير . نعم أخبرهم اللَّه تعالى في هذا القسم بأنه إذا شاء أن يغيّره سبّب وخلق له المقتضيات كما يشاء ، فحينئذ يغيّره كيف يشاء : لأن إخباره بأن هذا لا يبقى ، وليس في عالم الغيب والشهادة ما يغيّره ، لا يوجب سلب القدرة عنه تعالى على أن يغيّره بتسبيب الأسباب لتغييره ولا يقال : كيف ، ولا سبب له في عالم الغيب والشهادة ، وذلك لأنه تعالى بذاته سبب من لا سبب له ، وسبب كلّ ذي سبب ، ومسبب الأسباب من غير سبب كما وردت بهذا النصوص . والحاصل : يعلمون في هذا القسم أنه له تعالى أن يغيره بقاء إن شاء ، فلم تكن يده مغلولة إلا أنهم لا يعلمون هل يشاء بذاته تغييرا أم لا ؟ فعدم هذا العلم من هذا القسم ملحق بعلم الغيب المختص به ، إذ لم يقل أحد ممن قال بأنهم عليهم السّلام يعلمون الغيب : إنه ليس هناك ما لا يعلمونه ، بل هناك أشياء كثيرة في علمه الذاتي تعالى لا يعلمونه فهم عليهم السّلام مع ما يعلمونه مما كان يقوله تعالى لنبيه إلا أنهم مع ذلك لأجل علمهم بأنه تعالى له أن يغيره فهم من خشيته مشفقون ، وإنما علمهم فعلا بأنه لا يتغير ، لأجل ركونهم إلى قوله وتصديقهم بوعده ، فهم مشفقون في حال علمهم به بإعلامه تعالى لهم ، وفي حال أنه له تعالى أن يغيره كما لا يخفى . أقول : يشكل جمع هذا مع قوله تعالى : فلا تحسبن اللَّه مخلف وعده رسله 14 : 47 إلا أن يقال : إن السرّ في قوله تعالى : عباد مكرمون . لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون 21 : 26 - 28 يبين أنهم في عين اعتمادهم على وعد ربّهم ، وأنه تعالى لا يخلف الوعد ، مشفقون منه تعالى لمكان عدم سلب القدرة منه عن التغيير .