الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

438

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

فحينئذ نقول : إن كان المراد من العشق هو الميل المفرط ، فما الذي يشينه إذا تعلق به تعالى ؟ وحينئذ فهل المراد منه إلا ما هو المراد من قوله تعالى : والذين آمنوا أشد حبّا للَّه 2 : 165 ، ومن قوله عليه السّلام : " واجعل قلبي بحبك متيما ، " أي مذلَّلا ، ومن قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : " فعانقها وأحبها بقلبه ، " فإن المعانقة القلبية هو الإفراط في المحبة ؟ . وما ذكره جالينوس في معنى العشق لا إشكال فيه ، وإن انطبق على المحبة المفرطة المتعلقة به تعالى ، فإن العشق الذي هو من فعل النفس بما له من الآثار من الامتناع عن الطعام والشراب والنوم ، ومن مداومة تخيل المحبوب وذكره وفكره إذا تعلق به تعالى لا نرى فيه مانعا ، بل نرى كثيرا من الأخبار قد حثّت عليه بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله في الحديث السابق : " فعانقها وأحبها بقلبه " أي كان دائما متوجها إليها قلبا وباشرها بجسده ( أي عمل بها ) وصرف أوقاته فيها وتفرغ لها فهو لا يبالي . . إلخ ، أي أعرض عن غيرها ، بل صرف همّه وجميع شؤونه فيها ولم يبال بغيرها ، وهذه الأوصاف من لوازم تخيّل المحبوب وصرف الذكر والفكر . فيه وفي مصباح الشريعة : قال الصادق عليه السّلام : " المشتاق لا يشتهي طعاما ، ولا يلتذ شرابا ، ولا يستطيب رقادا ، ولا يأنس حميما ، ولا يأوي دارا ، ولا يسكن عمرانا ، ولا يلبس لينا ، ولا يقرّ قرارا ، ويعبد اللَّه ليلا ونهارا راجيا بأن يصل إلى ما يشتاق إليه ، ويناجيه بلسان شوقه معبرا عما في سريرته كما أخبر اللَّه تعالى عن موسى بن عمران في ميعاد ربّه بقوله : وعجلت إليك ربّ لترضى ، وفسّر النبي صلَّى اللَّه عليه وآله عن حاله : أنه ما أكل ولا شرب ولا نام ولا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه ومجيئه أربعين يوما شوقا إلى ربّه " ، الحديث . فانظر إلى هذه الجمل وتدبّر في معانيها وتبصّر ، تجد أن المشتاق الذي هو عنوان ملازم للعاشق كيف يكون حاله مع محبوبه الحقيقي جلّ وعلا . وأما ما ذكره المجلسي رحمه اللَّه عن الحكماء في كتبهم الطبية من : أن العشق ضرب من الماليخوليا والجنون والأمراض السوداوية ، فلا يراد منه مطلق العشق ، بل