الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
436
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
المساكن ورجع إلى الاعتدال ، انتهى . أقول : قوله في الحديث إشارة إلى ما رواه في الكافي بإسناده عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : " أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبّها بقلبه ، وباشرها بجسده وتفرغ لها ، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر " . قال المجلسي رحمه اللَّه في مرآة العقول : وعشق من باب تعب ، والاسم العشق وهو الإفراط في المحبة ، أي أحبّها حبّا مفرطا من حيث كونه وسيلة إلى القرب ، الذي هو المطلوب الحقيقي ، وربما يتوهم أن العشق مخصوص بمحبة الأمور الباطلة ، فلا يستعمل في حبّه سبحانه وما يتعلق به ، وهذا يدل على خلافه وإن كان الأحوط عدم إطلاق الأسماء المشتقة منه على اللَّه تعالى ، بل الفعل المشتق منه أيضا بناء على التوقيف . قيل : ذكرت الحكماء في كتبهم الطيّبة : أن العشق ضرب من الماليخوليا والجنون والأمراض السوداوية ، وقرروا في كتبهم الإلهية أنه من أعظم الكمالات والسعادات ، وربما يظن أن بين الكلامين تخالفا ، وهو من واهي الظنون ، فإن المذموم هو العشق الجسماني الحيواني الشهواني ، والممدوح هو الروحاني الإنساني النفساني ، والأول يزول ويفنى بمجرد الوصال والاتصال ، والثاني يبقى ويستمر أبد الآباد وعلى كلّ حال . ولنعم ما قاله المجلسي من : أن المذموم من العشق هو الجسماني دون الروحاني منه فإنه ممدوح . أقول : إن من كانت سريرته طاهرة من الصفات الرذيلة ، وكانت متصفة بالصفات الحميدة ، ومن كمل عقله وصفا ذهنه ، ولطف حسّه وصح تمييزه يرى بنور الباطن فرقا بين العشق المجازي أي المتعلق بالماديات وخصوصا بالصور الحسان الجميلة ، وبين العشق الحقيقي المتعلق بالمعنويات خصوصا باللَّه تعالى ،