الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
406
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
والفرق بينه وبين الدعاة ، أن الدعوة إليه تعالى ربما يدعيها كل أحد ممن آمن باللَّه تعالى : لأن وحدانيته فضلا عن وجوده ، بل وكثير من صفاته تعالى كالخالقية والرازقية ونحوهما مما هو ظاهر وبديهي لكل أحد إلا على أكمه لا يبصر القمر . وهذه ( أي الدعوة ) قد تخلو عن الحجة والبرهان في حال الدعوة اتكالا على التصديق الإجمالي به تعالى الحاصل لكل أحد ، وهذا بخلاف الدليل إلى مرضاته تعالى ، فإنّ مرضاته تعالى لا ريب في خفائها على كثيرين بل وعلى أهل الحق غير المعصومين . ولذا ورد في الدعاء من قولهم عليهم السّلام : " واهدني لما اختلف فيه من الحق " فإن أهل الحق ربما يختلفون في بعض الأمور ، وكل يدعي الإصابة مع العلم الإجمالي بخلاف أحدهم مثلا ، فالوصول إلى مرضاته لا بد له من برهان وحجة ، ويعبر عنه بالدليل فإنه لا يكون إلا عن حجة . وكيف كان فمرضاته تعالى مخفية على كثيرين إلا عليهم عليهم السّلام فهم الأدلاء على مرضاته ، فيعطي هذا البيان أن الوصول إلى مرضاته تعالى منحصر بدلالتهم عليهم السّلام : لأنهم الواقفون إليها والعالمون بها بما منحهم اللَّه تعالى ذلك كما علمت مما تقدم . وكيف كان فالداعي والدليل قد يستعمل كلّ منهما في مقام الآخر منفردا إلا إذا اجتمعا كما في المقام فيفرق بينهما بما قلناه ، وإلى ما ذكر يشير ما قيل من : إن اللَّه تعالى لمّا لا يشتبه بغيره فيمكن الدعوة إليه تعالى بلا برهان ، وهذا بخلاف مرضاته فإن مرضاته مخفية في مقامين : الأول : في نفس الأمر الذي هو مرضي له تعالى كبيان كيفية الصلاة والصوم ، وأنحاء العبادات المجعولة في الشرع ، ولا يمكن لغيرهم عليهم السّلام بيانها ، فهم عليهم السّلام الأدلاء عليها . والثاني : في الأفعال الصادرة من العامل فإنها مشتبه ، فإن ما ترضيه منها تشتبه بما يسخطه ، لا يفرق بينهما إلا بالدليل والتعيين ، وهم عليهم السّلام يبينون الدليل