الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
353
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
الدين " ، فعلم أن المعرفة له تعالى إنما هو بتعريف إلهي . نعم أنه تعالى يعرف نفسه بأن يعرف لعبده وليه فيعرف به ربّه ، حيث إن وليه مظهر لمعرفته كما تقدمت الإشارة إليه ولذا عرف الإمام الحقيقة لكميل بأن أراه نفسه المقدسة ، التي هي مظهر التوحيد واللَّه ولي التوفيق . قال بعض العارفين على ما نقل عنه : شهادة الحق للحق بالحق حق ، وشهادة الخلق للحق بالحق خلق قديم ، أي تختص الشهادة الحقة بالحق ، وأما ما عن غيره فهو خلق إذ لا تصدر من الخلق إلا الخلق والحق خلو منه كما تقدم ، فلا محالة يختص ظهور الحق والشهادة الحقيقة به تعالى ، وبتعريفه لمن يشاء يهدي لنوره من يشاء ، رزقنا اللَّه ذلك بمحمد وآله الطاهرين . ثم إنه لا بأس بذكر رسالة من العلامة الشيخ عبد الرزاق في شرح حديث الحقيقة فنقول : لا بد قبل ذلك من بيان مقدمة لتوضيح بعض مشكلات الرسالة فنقول : قد تقدم أن الخلافة الإلهية العظمى قد تحققت في النشأة الجامعة الإنسانية ، واستحقت لها بحسب جوهر ذاتها لأجل تطوّرها بالأطوار الكونية الوجودية ، ونشأتها بالشؤون العلمية وقابليتها لمظهرية الصفات المتقابلة الإلهية ، وقد تقدم شرح ذلك وإجماله . إن للإنسان أولا مرتبة الهيولي الأولى وهي قوة صرفة وإبهام محض ، لا تحصّل لها ولا فعلية في ذاتها ، ثم تحوّل إلى الجمادية ثم إلى النباتية ثم إلى الحيوانية بمبادي طلوع نفسه الناطقة ، ووقوع أشعة شمسه على زوايا بدنه وأكناف قواه ، وأول عضو يكون هو القلب الصنوبري ، لأنه أول ما يتحرك من البدن وآخر ما يسكن منه ، وإن نفسه الناطقة لها مراتب : أولها : الصدر المعنوي الذي هو موضع ازدحامات القوىّ المتوجه إليه القوى الإلهية والشيطانية . ثم إن أدركته السعادة الإلهية يتدرج في الاستكمال من حال ، إلى حال حتى يطوي مراتب العقول الساذجة والاستعدادية وهلم إلى درجة العقل المستفاد ، فيصعد به إلى درجة الكمال بعد أن