الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
326
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
ممن لاحظته فصعق لجلالك فناجيته سرّا " الدعاء . فالقلب حينئذ إذا أعرض عن الكثرات والحدود ظهر فيه التوحيد ، فلا يرى فيه إلا الحقّ وآثاره ، ثم إنه قلّ من تدوم له تلك الحالة إلا للأوحدي وإلا للنبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم والأئمة عليهم السّلام فإنهم عليهم السّلام حينما كانوا في تلك الحالة والمشاهدة يخبرون عنه تعالى ، وتظهر منهم عليهم السّلام آثار التوحيد وهو مقام العندية له تعالى المشار إليه بقوله تعالى : ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون 21 : 19 ( 1 ) . الرابع : اعلم أن الحقّ تعالى هو حقيقة الشيئية كما تقدم قوله عليه السّلام : " بل هو شيء بحقيقة الشيئية وما سواه " فإنما هو بالنسبة إليه تعالى باطل عاطل أوهام محض فشيئية شيء إنما هو بظهور آثار الحقّ ، الذي هو حقّ الشيء عليه ، فالأشياء حينئذ في تقبل الحقّ مختلفة ، ثم إن القلب الإنساني لما جيء به في عالم الملك وعالم الجهل والمادة والنفس والطبيعة ، صار محجوبا عن مشاهدة أنوار الجمال والجلال بنحو الأتم والأكمل ، مع أنه تعالى جعل فيه حقيقة الإنسانية التي هي مظهر للروح الذي نفخ فيه منه تعالى ، فهو بتلك الروحية قابل لمشاهدة أنوار الجلال والجمال ، ولكن لما صار في قوس النزول وعالم الطبيعة صار محجوبا . ثم إنه تعالى بفضله وكرمه رزقه عقلا درّاكا به يدرك الحقّ من الباطل ، وهو فرقان وحجّة باطني إلهي ، ثم أردفه بالشرع الذي هو العقل المنفصل في الإراءة والنورانية والحجّية كما أن العقل هو الشرع المتصل كما لا يخفى . هذا ولكن العقل له جهتان جهة الإدراك والإراءة ، وجهة التحفظ والداعوية إلى الحق ، فعمل العقل إنما هو الدرك وأن يحفظ صاحبه عن الركون إلى الأرض والنفس والطبيعة والجهل والظلمة ، ضرورة أن العقل من العقال التي تشدّ به الدابة لحفظها عن الضياع ، فالجهة المطلوبة بنحو الأهم في العقل هي هذه الجهة الحافظية
--> ( 1 ) الأنبياء : 19 . .