الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

315

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

قوله : ذاته حقيقة ، فعلم كميل حيث إنه من أصحاب السّر ، إن ذاته حقيقة إلا أنه أراد هنا أن يعلم الحقيقة بنحو يمتاز عن غيره لعارفه ، لا بنحو الكنه ، فإنه يمكن أن يعرف أحد الحقيقة بنحو يميزها عن المجاز والباطل والموهوم الخلقي ، وإن كانت بعد غير معلومة بالكنه كما لا يخفى فتأمل تعرف . وقد يقال : إن الحقيقة فعلية من حقّ يحقّ حقّا وحقيقا إذا ثبت ، والتاء فيها للخروج من الوصفية إلى الاسمية ، واللام للعهد الذهني أي ما في ذهن المخاطب من حقيقة الحقائق ، وهو وجود الحقّ سبحانه وتعالى فإنه ثابت باق ، وكلّ ما سواه زائل ، فإن سرّ هذه الحقيقة مما يضنّ بكشفها على غير أهلها ، ويضيق عن دركها نطاق أفهام العموم إلا من أطلعه اللَّه تعالى على ذلك من أوليائه الأمناء ، وكيف كان فالسؤال عن كشف الحقيقة التي هي كلّ الكل ، والأصل الذي ما سواه الجزء والفرع ، وكيف يبحث عنها أحد وهي محيط وما سواه محاط ، فأنى يكون للمحاط العلم بمحيطه ؟ فكلّ ما قيل إنه حقيقة أي ذاته تعالى فالحقيقة بخلافه ، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : " كل ما خطر ببالك وتصور في خيالك فاللَّه تعالى بخلاف ذلك " فلا يمكن الجواب عن كشف الحقيقة إلا من آثارها على الرمز والإشارة كما قال عليه السّلام : " الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير إشارة " ، وسيجئ شرحها . وربما يقال ( 1 ) : المراد من الحقيقة المسؤول عنها هي النفس الناطقة الكلية الإلهية ، أو حقيقة النفس بما لها من المعنى الكلي أو العقل الكلي ، وهو بعيد جدّا كما لا يخفى عن أجوبته عليهم السّلام تدريجا . الثالث : قال عليه السّلام : " ما لك والحقيقة " . أقول : لما سأل عن الحقيقة ردعه عليه السّلام بأنك لبعيد عن درك معناها ، لغموضها ولاختصاصها بالأولياء المقربين الكملين من الأنبياء والأئمة عليهم السّلام فأثّر هذا الردع في

--> ( 1 ) القائل على ما قيل : هو الشيخ عبد الرزاق الكاشاني في شرح مصابيح القلوب . .