الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
137
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وحينئذ فالتكليف منه تعالى للعباد بتحصيل المعرفة ، لا يرجع إلا إلى معرفتهم ، وإن ما وراء رتبته صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ورتبتهم عليهم السّلام ووجوب معرفته ومعرفتهم ، لا يكلف اللَّه تعالى العباد بذلك ، لأن الخلق لا يحتملون ما وراء ذلك فهو موضوع عنه ، إذ لا يتوقف وجودهم ونظام دينهم ودنياهم إلا على معرفته صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقط لا على غيره مما هو وراء ذلك . فهو تعالى قرن الاعتراف بنبوته بالاعتراف بربوبيته ، إذ بالأول يحصل الثاني للاقتران الحاصل من كونه مظاهر أسمائه . لا يقال إذا وضع عن الناس معرفة الذات ، وإنه لا معنى لمعرفته تعالى إلا بمعرفتهم ، إذ هو تعالى بحقائقهم عرف نفسه هذا ، ومن المعلوم أن العبادة تتوقف على المعرفة ، وحيث لا معرفة للذات فلا عبادة للذات ، وهذا خلاف ظاهر الشرع والشريعة وسنن الأنبياء والأولياء والأئمة عليهم السّلام وغيرهم ، بل ربما يستشم منه الشرك ، لأن العبادة من العباد ترجع إلى عبادتهم عليهم السّلام وهو شرك بل كفر . لأنا نقول أولا : إنه قد عرفت أن معرفتهم بالنورانية ، وبما منحهم اللَّه تعالى هو معرفته تعالى بالدلالة الالتزاميّة ، فحينئذ يعبده العابدون بما عرف نفسه بهم عليهم السّلام فالمعبود حينئذ هو اللَّه تعالى ، فأين هذا من الشرك ؟ وثانيا : إن أرواحهم عليهم السّلام بما هم أسماؤه الحسني ، وبما هم مظاهر له تعالى كما تقدم عن السجاد عليه السّلام من قوله عليه السّلام : " ونحن مظاهره فيكم ، " له اعتباران . الأول : أن يلاحظوا بالاستقلال ، ولا ريب في أنهم عليهم السّلام حينئذ مخلوقون ، وليسوا حينئذ مظاهر له تعالى ، كما إذا لوحظ المرآة استقلالا ، فحينئذ لا ترى فيها الصورة كما لا يخفى . وبهذا الاعتبار معرفتهم ليست معرفة اللَّه تعالى ، بل مجرد مفاهيم كسائر المفاهيم إلا أنها من أحسن المفاهيم . الثاني : أن يكونوا فانين عن أنفسهم ، بحيث لا ينظر إليهم عليهم السّلام بالاستقلال ، بل بالنظر الآلي بحيث لا يرى فيهم إلا ظهوره تعالى ، وسيأتي لهذا البحث تحقيق في