الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

135

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

فنقول وعلى اللَّه التوكل : قوله عليه السّلام : استخلصه في القدم . أقول : المراد من القدم ما يعم السرمد الذي هو وعاء المشية الإلهية ، فإن روحه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بمثابة من العظمة والسعة بحيث يسع مشيته تعالى . ولذا قال تعالى : " ما وسعتني أرضي ولا سمائي بل وسعني قلب عبدي المؤمن " وقال عليه السّلام : " قلوبنا أوعية لمشية اللَّه " ، والقدم الزماني والدهري أي استخلصه قبل خلق الزمان والدهر ، والقدم اللغوي أي السبق المطلق بالنسبة إلى أيّ متأخر فرض ، والقدم الشرعي أيضا أي الذي هو عبارة عن ستة أشهر . والحاصل : أنه لما دلت الأحاديث على أن أرواحهم خلقت من نور عظمته قبل خلق أيّ شيء فهم السابقون بحقيقة السبق الذاتي ، والأقسام المذكورة مظاهر لتلك القدم ، وأسبق بالنسبة إلى الخلق ، كما لا يخفى . ولذا قد يقال : إن المراد من السبق السبق قبل هذا العالم . كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فيما نقل عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " . وقال عليه السّلام : " كنت وليّا وآدم بين الماء والطين " . نقل هذا عن ابن أبي جمهور الأحسائي في كتابه المجلَّى قوله عليه السّلام : " انفرد ( رسول اللَّه ) عن التشاكل والتماثل من أبناء الجنس " ، يعني أنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بما هو هو انفرد ، ولا مشاكل له ولا مماثل له في خلق اللَّه ، فمشيته تعالى لم تتعلق إلا به صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . إذ ليس شيء هناك يساويه في الرتبة ، ليكون مثله ، فتشمله المشية أيضا ، فهو بنفسه الشريفة القوية العظيمة قائم بتلك . كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فيما تقدم : " ونوري محيط بالعظمة ونور علي محيط بالقدرة ، فليس في عالم الإمكان أشرف منه ولا مساو له إلا ذاته المقدسة ، ولا يدانيه في تلك المرتبة الأعلى عليه السّلام لقوله تعالى : وأنفسنا 3 : 61 ، حيث جعله اللَّه نفس النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كما تقدم قوله عليه السّلام : آمرا وناهيا ، " أي جعله مظهر أمره ونهيه في تكاليف العباد ، فلا يظهر مراده تعالى من التكاليف إلا منه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم .