أحمد بن محمد مسكويه الرازي
95
تجارب الأمم
الغوغاء والسفلة . وتحصّن محمد بالمدينة هو ومن يقاتل معه ، وحصره طاهر وأخذ عليه الأبواب ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء وغيرهما . فحكى طارق الخادم وكان من خاصّة محمد - وكان المأمون بعد ذلك أيضا يقدّمه - أن محمدا سأله يوما من الأيّام وهو محصور - أو قال في آخر يوم من أيّامه - أنّ أطعمه شيئا . قال : فدخلت المطبخ فلم أجد شيئا فجئت إلى حمرة [ 1 ] العطَّارة وكانت خازنة [ 2 ] الجوهر فقلت لها : - « إنّ أمير المؤمنين جائع ، فهل عندك شيء ؟ فإنّى [ 110 ] لم أجد في المطبخ شيئا ؟ » فقالت لجارية لها يقال لها بنان : - « أىّ شيء عندك ؟ » فجاءت بدجاجة ورغيف ، فأتيته بهما فأكل وطلب ماء يشربه فلم يجد في خزانة الشراب ماء ، فأمسى وكان عزم على لقاء هرثمة ، فما شرب ماء حتّى أتى عليه . ذكر اتفاقات عجيبة حكى إبراهيم بن المهدى أنّه كان نازلا مع محمد المخلوع في مدينة المنصور في قصره بباب الذهب لمّا حصره طاهر . قال : فخرج ذات ليلة من القصر يريد أن يتفرّج من الضيق الذي هو فيه ، فصار إلى قصر القرار في قرن الصراة في جوف الليل ، ثمّ أرسل إلىّ فصرت إليه ، فقال لي : - « يا إبراهيم أما ترى طيب هذه الليلة وحسن هذا القمر وضوءه في الماء - ونحن حينئذ في شاطئ دجلة - فهل لك في الشرب ؟ »
--> [ 1 ] . في الأصل : حمزة . وهو تصحيف . وفى الطبري ( 11 : 908 ) : حمرة العطَّارة . [ 2 ] . في الطبري : جارية الجوهر .