أحمد بن محمد مسكويه الرازي
92
تجارب الأمم
فوافاه أصحاب محمد ونشّبت الحرب بينهم فأسر رجل من العراة هرثمة ولم يعرفه ، فحمل بعض أصحاب هرثمة على العريان فقطع يده وخلَّص هرثمة ، فمرّ منهزما وبلغ خبره أهل عسكره فتقوّض بما فيه وخرج أهله هاربين على وجوههم نحو حلوان ، وحجز الليل أصحاب محمد عن الطلب والنهب والأسر ، فلم يتراجع أصحاب هرثمة إلَّا بعد يومين وثلاثة ، وقويت العراة بما صار في أيديهم . وقيلت في هذه الوقعة أشعار كثيرة . وبلغ طاهرا هزيمة عبيد الله بن الوضّاح وهرثمة وما صار إلى العراة من سلاحهم وأموالهم ، فاشتدّ عليه وقام منه وقعد ، ووجّه إلى أصحابه وعبّأهم وأمر بعقد جسر فوق الشمّاسيّة وخرج معهم إلى الجسر ، فعبروا النهر وقاتلوهم أشدّ قتال يكون ، حتّى ردّوا أصحاب محمد وأزالوهم عن الشماسية [ 106 ] وردّ إليها جند عبيد الله وهرثمة . وكان محمد أعطى بنقض [ 1 ] قصوره ومجالسه بالخيزرانية بعد ظفر العراة ألفي ألف درهم في مواضعها وقد كانت النفقة عليها عشرين ألف ألف درهم . فحرقها أصحاب طاهر وكانت السقوف مذهّبة . وهرب عبيد الله بن خازم بن خزيمة ، لأنّ محمدا اتهمه وتحامل عليه قوم من السفلة والعيّارين ، فخافهم على نفسه فلحق بالمدائن ليلا في السفن بعياله وولده ، وأقام بها ولم يحضر شيئا من القتال وفعل ذلك بمواطأة طاهر . وضاق على محمد أمره ونفذ ما كان عنده ولم يبق له حيلة ، وطلب الناس الأرزاق فقال عند ضجره بذلك : - « وددت أنّ الله قتل الفريقين جميعا وأراحنى منهم ، فما منهما إلَّا عدوّ ، وأمّا هؤلاء فيريدون مالي ولم يبق ، وأمّا هؤلاء فيريدون نفسي . »
--> [ 1 ] . انظر الطبري ( 11 : 897 ) .