أحمد بن محمد مسكويه الرازي

60

تجارب الأمم

تساس بالتواني والحروب لا تدبّر بالاغترار ولا تقل المحارب لي طاهر . فالشرارة الخفيّة ربّما صارت ضراما والثلمة من السيل ربّما تهون بها فصارت بحرا عظيما وقد قربت عساكرنا من طاهر ، فلو كان رأيه الهرب لما كان يتأخّر إلى يومه هذا . » قال : « اسكت فإنّ طاهرا ليس في هذا الموضع الذي ترى وإنّما تتحفّظ الرجال إذا لقيت أقرانها وتستعدّ المناوئ لها أكفاؤها ونظراؤها . » استشارة طاهر واستشار طاهر أصحابه لمّا قرب منه علىّ ، فأشاروا عليه أن يقيم بمدينة الرىّ ويدافع القتال [ 65 ] ما قدر عليه إلى أن يأتيه من خراسان المدد من الخيل ومن يتولَّى الحرب دونه وقالوا : - « مقامك بمدينة الرىّ أرفق بك وبأصحابك وأقدر لهم على الميرة وأكنّ من البرد وأقوى لك على المماطلة والمطاولة إلى أن يأتيك مدد . » فقال طاهر : - « إنّ الرأي ليس ما رأيتم . إنّ أهل الرىّ لعلىّ هائبون ومن معرّته متّقون ، ولست آمن إن حاصرنا أن يدعو أهلها خوفه إلى الوثوب بنا ومعاونته على قتالنا ، مع أنّه لم يكن قوم قطَّ زوحموا في ديارهم وتورّد عليهم إلَّا وهنوا وذلَّوا واجترأ عليهم عدوّهم . وما الرأي إلَّا أن نصيّر مدينة الرىّ وراء ظهورنا فإن أعطانا الله الظفر وإلَّا عوّلنا عليها ، فقاتلنا في سككها وتحصّنّا بمنعتها إلى أن يأتينا مدد من خراسان . » فقالوا : « الرأي ما رأيت . » فنادى طاهر في أصحابه فخرجوا فعسكروا على خمسة فراسخ من الرىّ ، وأتاه محمد بن العلاء فقال له :