أحمد بن محمد مسكويه الرازي

466

تجارب الأمم

- « إنّ الأمان مبسوط للناس أسودهم وأحمرهم إلَّا الخبيث . » وأمر بسهام فلفت عليها رقاع مكتوب فيها من الأمان مثل الذي نودي به . فأقبل إليه المستأمنة تترى . حصانة مواضع صاحب الزنج ومطاولة أبى أحمد ورأى أبو أحمد من حال الخبيث وحصانة موضعه وكثرة عدّته ما لا بدّ له من المطاولة والمحاصرة . فاستعدّ لذلك وفرّق أصحابه حول الخبيث ووكّل بكلّ ركن قوّادا وقوّاهم بالرجال والآلات وأنفذ إلى عمّاله في النواحي في حمل الأموال والمير وسائر الأمتعة ، وبنى مدينة سمّاها : الموفّقية ، وعمل فيها بيت مال وأمر بحمل الأموال إليه من جميع البلدان . وبنى دور الضرب فضرب فيها دنانير ودراهم وجلب إليها الذهب والفضّة ، وأرسل إلى سيراف من يأتيه بآلات الماء ويبنى فيها السفن والشذاءات ويجلب متاع البحر وكان قد انقطع جلب البحر منذ أكثر من عشر سنين لإخافة الخبيث السبل . وكتب بإثبات كلّ من يصلح للجندية إلى عمّاله في الأمصار ، ورغَّب في ذلك والمدينة الموفّقية تبنى والكتب تنفذ بما يعمرها والتجّار يجهزون [ 1 ] إليها والأسواق تكثر وأقبلت إليها مراكب البحر . وبنى أبو أحمد المسجد الجامع [ 533 ] فصارت مدينة كبيرة وحملت إليها الأموال وأدّر العطاء في أوقاته ورغب الناس في حلولها والمصير إليها من كلّ أوب ، والخبيث يرصد غرّة يصيب فيها فرصته من أبى أحمد فلا يجد لتيقّظ الناس وتحارسهم ولحفظ الموكّلين بالمواضع المخوفة مواضعهم . وكان أبو العباس لا يغفل ليلا ولا نهارا وإذا أمكنه قصد ناحية أوقع بها

--> [ 1 ] . انظر الطبري ( 13 : 1989 ) .