أحمد بن محمد مسكويه الرازي
208
تجارب الأمم
فذكر الناس أنّ بابك وأصحابه حين علموا أنّ الأفشين قد رجع إلى خندقه رجعوا إلى البذّ ، فحملوا من الزاد ما أمكنهم حمله وحملوا أموالهم ، ثمّ دخلوا الوادي الذي يلي هشتاذ سر ، فلمّا كان من الغد خرج الأفشين حتّى دخل البذّ فوقف في القرية وأصعد الكلغريّة [ 1 ] فهدموا القصور وحرّقوها . فعل ذلك ثلاثة أيّام حتّى أحرق خزائنه وقصوره ولم يدع بيتا واحدا . ثمّ رجع وقد علم أنّ بابك قد أفلت في بعض أصحابه . فكتب إلى ملوك أرمينية وأصحاب الأطراف يقول : - « إنّ بابك قد هرب في عدّة معه وهو مارّ بكم فلا يفوتنّكم . » وجاءت الجواسيس إلى الأفشين فأخبروه بموضعه في الوادي وكان واديا معشبا كثير الشجر طرفه بأرمينية وطرفه الآخر بأذربيجان ، ولم يمكن الخيل أن تنزل إليه ولا يرى من يستخفى فيه ، إنّما هو غيضة ملتفّة الأشجار والأنهار فوجّه الأفشين إلى كلّ موضع يعلم أنّ منه طريقا ينحدر إلى تلك الغيضة ، إذ يمكن بابك أن يخرج [ 235 ] منه عسكرا ، وكان يوجّه إلى كلّ عسكر من هذه العساكر الميرة من عسكره وكانت عدّة هذه العساكر خمسة عشر عسكرا . أمان مختوم بالذهب من المعتصم لبابك وكانوا كذلك حتّى ورد كتاب أمير المؤمنين المعتصم باللَّه مختوما بالذهب فيه أمان لبابك . فدعا الأفشين ممّن كان استأمن إليه من أصحاب بابك وبالأسرى وفيهم ابن له كبير ، أكبر ولده فقال لهم : - « هذا ما لم أكن أطمع له فيه ، أن يكتب له أمير المؤمنين وهو في هذه
--> [ 1 ] . في مط : الكل مرته وهو خطأ . والكلمة شرحناها قبل .