أحمد بن محمد مسكويه الرازي
186
تجارب الأمم
فكان المعتصم يأمر بإطلاق الشيء لندمائه ومغنّيه ، فلا ينفذ الفضل ، وربّما رادّه في الشيء إدلالا عليه وأنسا به ، وكان قد نزل منه وحلّ من قلبه المحلّ الذي لا يحدّث أحد نفسه بملاحظته فضلا عن منازعته ولا في الاعتراض عليه إذا أراد شيئا أو حلم به ، فكانت هذه المنزلة تحمله على الدالَّة حتّى كان يخالفه ويمنعه بعض أمره وبعض المال الذي [ 209 ] يصرفه في مهمّه . فحكى عن أحمد بن أبي دؤاد أنّه قال : كنت أحضر مجلس المعتصم فكثيرا ما كنت أسمعه يقول للفضل بن مروان : - « احمل إلىّ كذا من الدراهم . » فيقول : « ما عندي . » فيقول : « فاحتلها من وجه ، فليس منها بدّ . » فيقول : « ومن أين أحتالها ومن أين وجهها ومن يعطيني هذا القدر ؟ » فكان ذلك يسوءه وأعرفه في وجهه فلمّا كثر هذا من فعله ركبت يوما إليه فقلت له مستخليا به : - « يا أبا العبّاس إنّى أعرف أخلاقك ، وعلى ذاك ما أدع نصيحتك وأداء ما يجب علىّ من حقّك . وقد أراك كثيرا ما تردّ على أمير المؤمنين أجوبة غليظة ترمضه وتقدح في قلبه والسلطان لا يحتمل هذا لابنه ، لا سيّما إذا كثر ذلك وغلظ . » قال : « وما ذاك يا با عبد الله ؟ » قلت : « أسمعه كثيرا ، كثيرا [ 1 ] ما يقول لك : نحتاج إلى كذا من المال لنصرفه في وجه كذا ، فتقول من يعطيني هذا وهذا ما لا تحتمله الملوك . » قال : « فما أصنع إذا طلب منّى ما ليس عندي ؟ »
--> [ 1 ] . تكرّر في الأصل ومط دون آ .