أحمد بن محمد مسكويه الرازي
123
تجارب الأمم
فقال للمأمون : - « إنّ هرثمة قد أنغل عليك العباد والبلاد ، وظاهر عليك عدوّك ، وعادى وليّك ، ولقد دسّ أبا السرايا وإنّما هو بعض خوله ، حتّى عمل ما عمل . ولو شاء هرثمة ألَّا يفعل ذلك أبو السرايا ما فعله . » وقد كتب إليه أمير المؤمنين عدّة كتب أن يرجع فيلي الشام والحجاز فأبى ، وقد رجع إلى باب أمير المؤمنين عاصيا مشاقّا يظهر القول الغليظ ويتوعّد بالأمر الجليل وإن أطلق هذا كان مفسدة لغيره . فأشرب قلب المأمون عليه . وأبطأ هرثمة في المسير . فلم يصل إلى خراسان إلَّا في شهور . فلمّا بلغ مرو خشي أن يكتم المأمون قدومه ، فضرب بالطبول لكي يسمعها المأمون . فسمعها فقال : - « ما هذا ؟ » قالوا : « هرثمة قد أقبل يرعد ويبرق . » وظنّ هرثمة أنّ قوله هو المقبول فأمر بإدخاله فلمّا دخل كان قد أشرب قلب المأمون ما أشرب فقال له : - « يا هرثمة مالأت أهل الكوفة والعلويين وداهنت [ 142 ] ودسست إلى أبى السرايا حتّى خلع وعمل ما عمل ، وكان رجلا من أصحابك ولو أردت أن تأخذهم جميعا لفعلت ، ولكنّك أرخيت خناقهم وأجررت لهم رسنهم . » فذهب هرثمة ليتكلَّم ويعتذر ويدفع عن نفسه ما قرف به ، فلم يقبل ذلك منه وأمر به فوجئ على أنفه وديس في بطنه وسحب من بين يديه . وكان تقدّم الفضل بن سهل إلى الأعوان في الغلظة عليه والتشديد ، حتّى حبس . ثمّ دسّ إليه ، بعد أن أذلَّه من قتله . وقالوا مات .