أحمد بن محمد مسكويه الرازي

554

تجارب الأمم

مثلها قطَّ من الخيل والرقيق والثياب والمسك والأموال . فقعد هارون بالشماسيّة على دكّان مرتفع حين وصل إليه ما بعث به علىّ إليه ، وأحضرت تلك الهدايا فعرضت عليه فعظمت في عينه وجلّ قدرها عنده وإلى جانبه يحيى بن خالد ، فقال له : - « يا با علىّ ، [ 588 ] هذا الذي كنت تشير علينا إلَّا نولَّيه هذا الثغر ، فقد خالفناك فيه ، فكان في خلافك البركة - وهو كالمازح معه وكان إذ ذاك على مرتبته الجليلة وموضعه اللطيف - فقد ترى الآن ما صحّ من رأينا فيه وفال [ 1 ] من رأيك . » فقال يحيى : - « يا أمير المؤمنين ، جعلني الله فداءك أنا وإن كنت أحبّ أن أصيب في رأيي وأوّفق في مشورتي ، فأنا أحبّ مع ذلك أن يكون رأى أمير المؤمنين أعلى ، وفراسته أثقب ، وعلمه أكثر من علمي ، ومعرفته فوق معرفتي ، وما أحسن هذا وأكثره إن لم يكن وراءه ما يكره أمير المؤمنين ، وما أسأل الله أن يعيذه من سوء عاقبته وتباع مكروهه . » قال : « وما ذاك ؟ » قال : « ذاك أنّى أحسب هذه الهدايا ما اجتمعت له حتّى ظلم فيها الأشراف وأخذ أكثرها ظلما وتعدّيا ، ولو أمرني أمير المؤمنين لأتيته بأضعافها الساعة من بعض تجّار الكرخ . » قال : « وكيف ذاك ؟ » قال : « قد ساومنا عونا على السفط الذي جاءنا به من الجوهر ، فأعطيناه به سبعة آلاف ألف فأبى أن يبيعه . فابعث إليه الساعة بحاجبى ، فأمر أن يردّه إلينا

--> [ 1 ] . فال رأيه : أخطأ وضعف .