أحمد بن محمد مسكويه الرازي

552

تجارب الأمم

على ذلك بمنافسة الابن على المرتبة ، ومعاداة الخادم ، وملله طول الصحبة . » فترك ذاك أيّاما ، ثمّ أراد أن يمتحن إبراهيم بن عثمان بمحنة تزيل الشكّ عن قلبه ، والخاطر عن وهمه . فدعا الفضل بن الربيع فقال : - « إنّى أريد محنة إبراهيم بن عثمان فيما رفع ابنه عليه ، فإذا رفع الطعام فادع بالشراب وقل له : أحبّ أمير المؤمنين أن ينادمك إذ كنت منه بالمحلّ [ 586 ] الذي أنت به ، فإذا شرب ، فانصرف وخلَّنى وإيّاه . » ففعل ذلك الفضل بن الربيع ، وقعد إبراهيم للشرب ، ثمّ وثب حين وثب الفضل للقيام ، فقال له الرشيد : - « مكانك يا إبراهيم . » فقعد ، فلمّا طابت نفسه ، أومأ الرشيد إلى الغلمان ، فتنحّوا عنه ، ثمّ قال : - « يا إبراهيم ، كيف أنت وموضع السرّ منك ؟ » قال : « يا سيّدى ، إنّما أنا أدون عبيدك وأطوع خدمك . » قال : « إنّ في نفسي أمرا من الأمور أريد أن أودعكه ، وقد ضاق صدري به وأسهرت [ 1 ] له ليلى . » قال : « يا سيّدى ، إذا لا يرجع عنّى إليك أبدا ، أخفيه عن جيبي ونفسي . » قال : « ويحك ، إنّى قد ندمت على قتل جعفر بن يحيى ندامة ما أحسن أن أصفها ، فوددت أنّى خرجت من ملكي وأنّه كان بقي لي ، [ 2 ] فما وجدت طعم النوم منذ فارقته ولا لذّة العيش منذ قتلته . » قال : فلمّا سمعها إبراهيم أسبل دموعه وأذرى عبرته ولم يملك نفسه وقال : - « رحم الله أبا الفضل وتجاوز عنه ، والله يا سيّدى ، لقد أخطأت في قتله و

--> [ 1 ] . الضبط من الطبري ( 11 : 700 ) . [ 2 ] . انظر الطبري ( 11 : 700 ) .