أحمد بن محمد مسكويه الرازي
510
تجارب الأمم
فقال يحيى : « ما معنى يزعم ، ها هو ذا لساني . » وأخرج لسانه أخضر مثل السلق . قال : فتربّد هارون ، واشتدّ غضبه ، فقال يحيى : - « يا أمير المؤمنين ، إنّ لنا قرابة ورحما ولسنا بترك ولا ديلم ، يا أمير المؤمنين ، إنّا وأنتم أهل بيت واحد ، فأذكّرك الله والقرابة والرحم برسول الله ، صلَّى الله عليه ، علام تعذّبنى وتحبسني ؟ » قال : فرقّ له هارون الرشيد ، وأقبل بكّار الزبيري على الرشيد ، فقال : - « يا أمير المؤمنين ، لا يغرّك كلامه ، فإنّه شاقّ عاص ، وهذا منه مكر وخبث ، إنّ هذا أفسد علينا مدينتنا وأظهر فيها العصيان . » قال : فأقبل يحيى عليه ، فوالله ما استأذن أمير المؤمنين في الكلام حتّى قال : - « أفسدوا عليكم مدينتكم ؟ ومن أنتم عافاكم الله ؟ » قال الزبيري : هذا كلامه قدّامك ، فكيف إذا غاب عنك ؟ يقول : ومن أنتم عافاكم الله ، واستخفافا بنا . » قال : [ 542 ] فأقبل يحيى عليه ، فقال : - « نعم ، ومن أنتم عافاكم الله ، المدينة كانت مهاجر عبد الله بن الزبير ، أم مهاجر رسول الله صلَّى الله عليه ، ومن أنت حتّى تقول : أفسدوا علينا مدينتنا ، وإنّما بآبائي وأباء هذا هاجر أبوك إلى المدينة . » ثمّ قال : - « يا أمير المؤمنين ، إنّما الناس نحن وأنتم ، فإن خرجنا عليكم قلنا أكلتم وأجعتمونا ، ولبستم وأعريتمونا ، وركبتم وأرجلتمونا فوجدنا بذلك مقالا فيكم ، ووجدتم بخروجنا عليكم مقالا فينا ، فتكافأ فيه القول ، ويعود أمير المؤمنين على أهله فيه بالفضل يا أمير المؤمنين ، فلم يجترئ هذا وضرباؤه