أحمد بن محمد مسكويه الرازي
498
تجارب الأمم
يبعث إلىّ في ندماء الهادي ومغنّيه في ضربهم وحبسهم صيانة له عنهم ، فبعث إلىّ الهادي يسألني الرفق بهم والترفيه لهم ، فلا ألتفت إلى ذلك وأمضى لما يأمرني به المهدىّ . قال : فلمّا ولى الهادي الخلافة أيقنت بالتلف ، فبعث إلىّ يوما ، فدخلت إليه متكفّنا متحنّطا وإذا هو على كرسىّ [ 529 ] والسيف والنطع بين يديه ، فسلَّمت ، فقال : - « لا سلَّم الله على الآخر ، [ 1 ] تذكر يوم بعثت إليك في أمر الحرّانى وما أمر به أمير المؤمنين رضي الله عنه ، من ضربه وحبسه فلم تجبني ، وفى فلان وفى فلان - فجعل يعدّد ندماءه - فلم تلتفت إلى قولي وأمرى ؟ » قلت : « نعم يا أمير المؤمنين ، أفتأذن في استيفاء الحجّة ؟ » قال : « نعم . » قلت : « نشدتك الله يا أمير المؤمنين ، أيسرّك أنّك ولَّيتني ما ولَّانى أبوك فأمرتنى بأمر فبعث إلىّ بعض بنيك بأمر مخالف به أمرك ، فاتبعت أمره وعصيت أمرك ؟ » قال : « لا . » قلت : « فكذلك أنا لك ، وكذلك كنت لأبيك . » فاستدنانى ، فقبّلت يده ، فأمر بخلع ، فصبّت علىّ ، وقال : - « قد ولَّيتك ما كنت تتولَّاه ، فامض راشدا . » فخرجت من عنده ، فصرت إلى منزلي مفكّرا في أمرى وأمره وقلت : حدث يشرب والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتّابه وكأنّى بهم حين يغلب عليه الشراب قد أزالوا رأيه فىّ وحملوه في أمرى على ما كنت أتّخوفه .
--> [ 1 ] . كذا . في آ ومسط والطبري أيضا ( 10 : 583 ) .