أحمد بن محمد مسكويه الرازي

438

تجارب الأمم

- « إلى أين ؟ » قال : « أجد غمزا . » قال : « ففي الدار إذا . » قال : « الذي أجده أشدّ من أن أقيم معه في الدار . » ونهض فصار إلى حرّاقته ، [ 1 ] ونهض المنصور في أثره متفزّعا إلى الحرّاقة ، فاستأذنه عيسى في المصير إلى الكوفة ، فقال : - « بل تقيم ، فتعالج ها هنا . » فأبى وألحّ حتّى أذن له وكان الذي حداه على ذلك طبيبه بختيشوع فإنّه قال له : - « أنت مسموم ، وو الله ما أجترئ على معالجتك بالحضرة . » [ 463 ] فاستأذنه ، فأذن له ، وبلغت العلَّة بعيسى كلّ مبلغ حتّى تمعّط [ 2 ] شعره ، ثمّ أفاق . ويقال إنّ عيسى إنّما كان يمتنع على أبى جعفر لأنّه كان يريّض الأمر لابنه موسى ، فبعث أبو جعفر إلى موسى من يخوّفه على نفسه وعلى أبيه ، فقال موسى : - « إنّى قد أرى ما يسام أبى من إخراج هذا الأمر من عنقه وتصييره للمهدىّ ، وقد نصبت عليه وجوه الحتوف من السمّ مرّة ، وبهدم الحيطان مرّة ، وبضروب الإهانات ، وليس يعطى على هذا شيئا ، ولكن ها هنا وجه واحد لعلَّه يعطى عليه إن أعطى ، وإلَّا فلا . » قال له الواسطة بينه وبين أبى جعفر : - « وما هو ؟ » قال : « إنّما أقوله إذا أمنت على نفسي ، وإنّما هو روحي اجعله في يده ، ولا بدّ

--> [ 1 ] . الحرّاقة : السفينة فيها مرامي نيران يرمى بها العدوّ . [ 2 ] . تمعّط الشعر : سمط من داء عرض له .