أحمد بن محمد مسكويه الرازي

414

تجارب الأمم

صاحب بغداذ فيهم فسألهم عن مواضعهم وكيف هي في الحرّ والبرد والأمطار والوحول والبقّ والهوامّ [ 434 ] فأخبره كلّ واحد بما عنده . فوجّه من قبله رجالا حصفاء فبات كلّ رجل منهم في قرية منها ، ثمّ تنحّر [ 1 ] أخبارهم واختيارهم فاجتمعوا على صاحب بغداذ . فيحكى أنّ الراهب الذي كان قريبا من بغداذ قال لأبى جعفر : - « إنّ الذي يبنى هاهنا مدينة اسمه مقلاص . » فقال أبو جعفر : - « فأنا والله كنت أدعى في حداثتي مقلاصا ثمّ انقطعت عنّى . » ووجّه المنصور في حشر الصنّاع والفعلة من الشام والموصل وأهل الجبل ومن الكوفة والبصرة وسائر المدن وأمر باختيار قوم من أهل الأمانة والعدالة والفقه والمعرفة ، فكان ممّن أحضر الحجّاج بن أرطاة وأبو حنيفة النعمان بن ثابت ، وأمر بخطَّ المدينة وحفر الأساسات ، وضرب اللبن وطبخ الآجر ، فبدئ بذلك سنة خمس وأربعين ومائة ثمّ خطَّت له بالرماد ، فدار عليها وعلى سورها وسككها وخنادقها ، فلمّا فعل ذلك مرارا ، أمر أن يجعل على تلك الخطوط من الرماد [ 435 ] حبّ القطن ويصب عليه النفط ، فنظر إليها والنار تشتعل فيها ، ففهمها وعرف رسمها وأمر بحفر أساسها وبناءها وإحكام الأساس . وأمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعا وقدّر أعلاه عشرين ذراعا ، وجعل في البناء حوائر [ 2 ] قصب مكان الخشب في كلّ طوفة فلمّا بلغ الحائط مقدار قامة أتاه خروج محمّد فقطع البناء . وكان المنصور قد أرضى أصحاب القرى والمزارع ، أمّا مدينته وهي بغداذ فكانت لستين رجلا ، فأعطاهم العوض عنها وأرضاهم . وأمّا ما كانت حواليها ،

--> [ 1 ] . انظر الطبري ( 10 : 274 ) . [ 2 ] . الحائرة : الهزيلة . ما في الطبري ( 10 : 278 ) : جوائز .