أحمد بن محمد مسكويه الرازي

53

تجارب الأمم

جمّ شيذ وهو أخو طهمورت ، وتفسير « شيذ » الشعاع . لأنه كان وضيئا ، جميلا . وملك الأقاليم ، وسلك [ 9 ] السيرة المتقدمة ، وزاد عليها بأن صنّف الناس وطبّقهم ورتّب منازل الكتّاب ، وأمر أن يلزم كل أحد طبقته . وعمل أربعة خواتيم : خاتما للحروب والشرط ، وكتب عليه « الأناة » ، وخاتما للخراج ، وجباية الأموال ، وكتب عليه « العمارة » ، وخاتما للبريد [ 1 ] ، وكتب عليه « الوحا » [ 2 ] وخاتما للمظالم ، وكتب عليه « العدل » . فبقيت هذه الرسوم في ملوك الفرس إلى أن جاء الإسلام ، وألزم من غلبه من أهل الفساد والشياطين الأعمال الصّعبة ، وأذلَّهم بقطع الحجارة والصخور من الجبال ، وعمل الكلس والجصّ والبناء والطين ، وعمل المعادن ، وغير ذلك من الأمور الصعبة . فحسنت سيرته ، وخافه أهل العيث [ 3 ] والفساد ، بما ألزمهم من الأعمال الشاقّة . وأحدث النوروز [ 4 ] ، وجعله عيدا وأمر الناس بالتنعم فيه . [ 10 ] ثم إنّه بعد ذلك ، بدّل سيرته . فكان من نتيجة فعله وسوء عاقبته ، أن دخل الوهن في الممالك ، وتجاسر أهل الفساد عليه . فمما حكى من تبديل سيرته ، إظهار الكبر والجبرية على وزرائه وكتّابه وقوّاده ، وإيثار التخلَّى والإغرام باللذّات ، وترك مراعاة كثير من السياسيات التي

--> [ 1 ] . البريد : عربي ( ابن دريد ) . فارسي معرّب من « دم بريده » [ أي : « محذوف الذّنب » حسب تعبير المؤرخين - أنظر ص 93 وما علَّقناه على تلك الصفحة ] . أو معرّب من « بردن » أي : الذهاب بالشيء ( باللغة الفارسية ) . أو معرّب للكلمة اليونانية : veredus ومعناها : الحيوان ذو القوائم الأربع ، ثمّ تحوّل إلى معنى « فرس البريد » ، ثم إلى « البريد » بالذات ( لد ، حب ) . [ 2 ] . الوحا : السرعة . والمكتوب على الخواتم عند ابن الأثير . الرفق والمداراة العمارة والعدل الصدق والأمانة السياسة والانتصاف ( 1 : 64 ) . [ 3 ] . وفي مط : أهل العبث ( بالباء الموحّدة ) . [ 4 ] . في الطبري : نوروز ( 1 : 180 ) . الثعالبي : النوروز ( ص 14 ) . ابن الأثير : نيروز ( 1 : 497 ) . أبو نواس في شعره : النوكروز . بالفهلوية : nok - roch أو noghroz ( حب ) . مف : nik - roch .