أحمد بن محمد مسكويه الرازي

278

تجارب الأمم

والزبير وطلحة ونفرا معهم . وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد ، وقال لهم : - « إنّ الأرض كافرة ، وقد رأى وفدهم منكم قلَّة ، وإنّكم لا تدرون أليلا تؤتون ، أم نهارا ؟ وأدناهم منكم على بريد [ 1 ] وقد كان القوم يأملون أن نوادعهم ، ونقبل منهم وقد أبينا عليهم ، ونبذنا إليهم [ 2 ] فاستعدّوا وأعدّوا . » فما لبثوا إلَّا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارّة [ 3 ] مع الليل وخلَّفوا ردءا [ 4 ] لهم بذي حسى ، فوافوا الأنقاب [ 5 ] وعليها المقاتلة ودونهم أقوام [ 6 ] يدرجون . فنهنهوهم [ 7 ] وأرسلوا إلى أبى بكر بالخبر . فخرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم فانهزموا واتّبعهم المسلمون على إبلهم حتى بلغوا ذا حسى . فخرج عليهم الردء بأنحاء قد نفخوها وجعلوا فيها الحبال ، ثم دهدهوها [ 8 ] بأرجلهم في وجوه الإبل فتدهده كل نحى في طوله [ 9 ] فنفرت الإبل إبل المسلمين وهم عليها ، ولا تنفر [ 295 ] من شيء نفارها من الأنحاء . فعاجت بهم ما يملكونها [ 10 ] حتى دخلت بهم المدينة ، إلَّا أنّه لم يصرع مسلم ولم يصب ، وظنّ القوم بالمسلمين الوهن فبعثوا إلى الناس بالخبر فقدموا عليهم أعمارا [ 11 ] . وبات أبو بكر ليلته يتهيّأ ، فعبّى الناس ، ثم خرج في تعبئته من أعجاز [ 12 ] ليلته يمشى ، فما طلع الفجر إلَّا وهم مع العدوّ في صعيد واحد . فما سمعوا لأحد من

--> [ 1 ] . البريد : الرسول ، ثم استعمل في المسافة التي يقطعها بين كل منزلين وهي اثنا عشر ميلا ( الأقرب ) أنظر تعاليقنا على ص 53 . [ 2 ] . نبذ إلى العدو : رمى إليه بالعهد . [ 3 ] . في مط والطبري ( 4 : 1874 ) غارة . ويمكن أن نقرأ ما في الأصل « غارّه » أو « عارّه » . [ 4 ] . مط : أزدا . والردء : العون والناصر . [ 5 ] . الأنقاب : جمع مفرده النقب : الطريق في الجبل . [ 6 ] . مط : بدون « أقوام » . [ 7 ] . نهنهه : كفّه وزجره . نهنه الدابة : صاح به لتكفّ . [ 8 ] . دهدهه : دحرجه . تدهده : تدحرج . [ 9 ] . الطول : الحبل يربط في وتد ونحوه للدابة ، فترعى مقيدة ( مو ) . [ 10 ] . في الأصل ومط : « ما يملكوها » . [ 11 ] . جاء عمرا : جاء بطيئا . في الطبري : اعتمادا في الذين . في حاشيته : اعتمارا في الدين . [ 12 ] . وفي الطبري : ثم خرج على تعبئة من أعجاز ليلته .