أحمد بن محمد مسكويه الرازي

266

تجارب الأمم

- « إذا رأيتم القوم فاكسروا جفون [ 1 ] سيوفكم ، وشدّوا شدّة رجل واحد عليهم . » فلمّا استقبل خيل رسول الله ، صلَّى الله عليه - وكان يومئذ اثنى عشر ألفا ، منهم عشرة آلاف فتحوا مكة ، وألفان ممن أسلم وانضاف إليهم بوادي حنين - انحدروا في واد من أودية تهامة أجوف ، إنّما ينحدرون [ 2 ] فيه انحدارا ، وذلك في عماية [ 3 ] من الصبح ، وكان القوم قد سبقوا إلى الوادي [ 4 ] ، فكمنوا في شعابه وأحنائه ومضايقه ، وتهيّئوا وأعدّوا . فما راع خيل رسول الله - عليه السلام - وهم منحطَّون ، إلَّا الكتائب ، قد شدّت عليهم ، فانشمروا [ 5 ] لا يلوى أحد على أحد . وانحاز رسول الله - صلى الله عليه - ذات اليمين وصاح : - « أيّها الناس ، أين ؟ هلمّوا إلىّ ، أنا رسول الله ، [ 283 ] أنا محمد بن عبد الله . » وبقي مع النبىّ - صلى الله عليه - نفر من أهل بيته ، فيهم علىّ بن أبي طالب ، والعباس ، وابنه الفضل ، وجماعة من المهاجرين [ 6 ] . فقال رسول الله - صلى الله عليه - للعباس : - « اصرخ : يا معشر الأنصار ، يا أصحاب السمرة [ 7 ] . » فأجابوه من كل ناحية وحملوا على الناس فكانت إيّاها . [ 8 ] وقتل علىّ بن أبي طالب - عليه السلام - صاحب الراية ، وقتل خيل مالك بن عوف كلّ مقتلة ، وغنم المسلمون تلك الأموال ، وسبوا النساء والأولاد ، وقتل دريد . وكان عدّة السبي يومئذ من هوازن ستّة آلاف من النساء والأولاد . فلمّا قدمت وفود هوازن على النبىّ - عليه السلام - مسلمين ، أعتق لهم

--> [ 1 ] . الجفون : جمع الجفن والجفن ، أي : الغمد . [ 2 ] . مط : انحدورا . [ 3 ] . في عماية من الصبح : في ظلام منه . [ 4 ] . مط : واد . [ 5 ] . انشمر : مرّ جادّا ومضى : هرب . [ 6 ] . وفي بعض الأصول : والأنصار . [ 7 ] . مط : الشجرة . والسمرة : الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان عام الحديبية . [ 8 ] . الضمير في « كانت » يرجع إلى « الحملة » المفهومة من « حملوا » أي كانت هي هي ، وانتهى كلّ شيء ( أنظر اللسان ، « إيّا » ) .