أحمد بن محمد مسكويه الرازي

139

تجارب الأمم

- « وفي الرعيّة صنف دعوا إلى أنفسهم الجاه ، بالإباء والردّ له ، ووجدوا ذلك عند المغفّلين نافقا [ 1 ] ، وربّما قرّب الملك الرجل من أولئك لغير نبل في رأى ، ولا إجزاء [ 2 ] في العمل ، ولكن الإباء والردّ أغرياه به [ 3 ] . - « وفي الرعيّة صنف أظهروا التواضع ، واستشعروا الكبر . فالرجل منهم يعظ الملوك زاريا عليهم بالموعظة ، يجد ذلك أسهل طريقي طعنه عليهم [ 121 ] ويسمّى هو ذلك - وكثير ممن معه - تحرّيا [ 4 ] للدين . فإن أراد الملك هو انهم لم يعرف لهم ذنبا يهانون عليه [ 5 ] ، وإن أراد إكرامهم فهي منزلة حبوا بها أنفسهم على رغم الملوك ، وإن أراد إسكاتهم كان السماع في ذلك أنّه استثقل ما عندهم من حفظ الدين ، وإن أمروا بالكلام قالوا [ ما يفسد ولا يصلح ] [ 6 ] . فأولئك أعداء الدول وآفات الملوك . فالرأي للملوك تقريبهم من الدنيا ، فإنّهم إليها أجروا [ 7 ] ، وفيها [ 8 ] عملوا ، ولها سعوا ، وإيّاها أرادوا . فإذا تلوّثوا [ 9 ] فيها بدت فضائحهم ، وإلَّا فإنّ فيما يحدثون ما يجعل للملوك سلَّما إلى سفك دمائهم . وكان بعض الملوك يقول : القتل أقلّ للقتل . - « وفي الرعيّة صنف أتوا الملوك من قبل النصائح لهم ، والتمسوا صلاح منازلهم بإفساد منازل الناس . فأولئك أعداء الناس وأعداء

--> [ 1 ] . مط : نافعا . نفقت السوق : قامت وراجت تجارتها . [ 2 ] . الإجزاء : الكفاية والإغناء . [ 3 ] . به : الأصل مطموس ، والمثبت من غ . [ 4 ] . غ : محرزا . [ 5 ] . وفي غ : به . [ 6 ] . الضبط من غ ، وفي الأصل : إنما نفسد ولا نصلح . وفي رسائل البلغاء : وإن أطلق لسانه ، قال بوعظه بين الملأ ما أفسد حال الدولة . [ 7 ] . أجرى إلى الشيء : قصده . [ 8 ] . غ : لها . [ 9 ] . مط : تكونوا .