أحمد بن محمد مسكويه الرازي
130
تجارب الأمم
بقلوب مختلفة ، وأيد متعادية . وقد علمتم أنّ الذي بنى عليه الناس ، [ 108 ] وجبلت عليه الطباع [ 1 ] ، حبّ الحياة وبغض الموت ، [ وأنّ الحرب تباعد من الحياة وتدنى من الموت ] [ 2 ] ، فلا دفع ولا منع [ 3 ] ولا صبر ولا محاماة مع هذا ، إلَّا بأحد وجهين : إمّا بنيّة ، والنيّة ما لن يقدر على الوالي عند الناس بعد النيّة التي تكون في أوّل الدولة ، وإمّا بحسن الأدب وإصابة السياسة . « واعلموا أنّ بدء ذهاب الدول [ 4 ] من قبل إهمال الرعية بغير أشغال معروفة ، ولا أعمال معلومة . فإذا فشى الفراغ [ في الناس ] [ 5 ] ، تولَّد منه النظر في الأمور ، والفكر في الأصول . فإذا نظروا في ذلك ، نظروا فيه بطبائع مختلفة ، فتختلف بهم المذاهب ، ويتولَّد من اختلاف مذاهبهم ، تعاديهم وتضاغنهم وتطاعنهم [ 6 ] ، وهم في ذلك مجتمعون - في اختلافهم - على بغض الملوك ، لأنّ كل صنف منهم إنما يجرى إلى فجيعة الملك بملكه ، ولكنهم لا يجدون سلَّما إلى ذلك [ 7 ] أوثق من الدين ، ولا أكثر أتباعا ، ولا أعزّ امتناعا ، ولا أشدّ على الناس صبرا [ 8 ] . ثم يتولَّد من تعاديهم [ 109 ] أنّ الملك لا يستطيع جمعهم على هوى واحد ، فإذا انفرد ببعضهم ، فهو عدوّ بقيّتهم ، ثم تتولَّد من عداوتهم [ للملك ] [ 9 ] كثرتهم ، فإنّ من شأن العامّة الاجتماع على استثقال الولاة والنفاسة [ 10 ] عليهم . لأنّ في
--> [ 1 ] . غ : الطبائع . [ 2 ] . ما في [ ] زيادة من غ . [ 3 ] . ليس في غ : فلا دفع ولا منع . [ 4 ] . غ : واعلموا أنّ ذهاب الدول يبدو . [ 5 ] . زيادة من غ . [ 6 ] . غ : بدون « تطاعنهم » . [ 7 ] . غ : مع ذلك مجمعون . [ 8 ] . غ : صوابا . [ 9 ] . زيادة من غ . [ 10 ] . النفاسة : الحسد .