أبو الصلاح الحلبي

159

تقريب المعارف

لأنه عليه السلام لو عورض مع ظهور كلمة المعارض وضعفه عليه السلام لكانت المعارضة أظهر من القرآن ، وما وجب كونه كذلك لا يجوز إستاره فيما بعد على مجرى العادات . ولأنه لو عورض لكانت المعارضة هي الحجة والقرآن هو الشبهة ، وذلك يقتضي ظهورها ، ليكون للمكلف طريق إلى النظر يفرق ما بين الحق والباطل . وليس لأحد أن يقول : إنما لم يعارضوا لأنهم ظنوا أن الحرب أحسم . لأن الحرب لم تكن إلا بعد مضي الزمان الطويل الذي تصح في بعضه المعارضة بلا ( 1 ) مشقة ولا خطر وفيها الحجة ، والحرب خطر بالأنفس والأموال ولا حجة فيها ، والعاقل لا يعدل عن الحجة مع سهولتها إلى ما لا حجة فيه مع كونه خطرا إلا للعجز عن الحجة ، ولهذا لو رأينا متحديا ذوي صناعة بشئ منها ومفاخرا لهم به ، ومدعيا التقدم عليه فيها ، ثم تحداهم به فعدلوا عن معارضته إلى شتمه وضربه ، لم تدخل علينا شبهة في عجزهم عما تحداهم ، ولا ريب في عنادهم ، وهذه حال القوم المتحدين بالقرآن بلا قبح . وببعض هذا تسقط شبهة من يقول : إنه عليه السلام شغلهم بالحرب عن معارضته ، لأن الحرب لا تكن إلا بعد مضي أزمنة يصح في بعضها وقوع المقدور الذي صارف عنه مع خلوص الدواعي إليه ، ولأن الحرب لا تمنع من الكلام ، ولهذا اقترنت ( 2 ) بالنظم والنثر ولم تنقص رتبة ما قالوه من ذلك في زمنها في الفصاحة عما قالوه في غيرها ، على أن الحرب لم تستمر ، وإنما كانت أحيانا نادرة في مدة البعثة ومختصة في حالها بقوم من الفصحاء دون آخرين . ومن وجوه إعجاز القرآن : قوله تعالى : ( فتمنوا الموت إن كنتم صادقين

--> ( 1 ) في النسخة : " لا " . ( 2 ) أي : الحرب ، وفي النسخة : " اقتربت " .